{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور:58] وهذا حكم الاستئذان داخل البيوت، وقد تقدم حكم الاستئذان من خارج البيوت.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يا من آمنتم بالله، ورضيتم به ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وهم: العبيد والإماء.
{وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور:58] ، الأولاد الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، وبلوغ الحلم معروف إما أن يكون بالاحتلام، وإما بالإنبات، وفريق يرى أنه ببلوغ خمس عشرة سنة، فالذين أقل من هذه السن، وهم مميزون، فالآية في حقهم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور:58] أي: الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم الذين يميزون، أما الأطفال الرضع فالآية لا تتعلق بهم؛ لأنهم لا يعرفون معنى الاستئذان.
{ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ} [النور:58] ، أي: عليكم -يا أهل الإيمان- أن تعلموا أولادكم المميزين الاستئذان ثلاث مرات، إذا جاء الطفل يدخل على أمه وعلى أبيه في هذه الثلاثة الأوقات عليه أن يستأذن، ولا يكون الأمر فوضى، فإن الولد قد يهجم على الغرفة فيجد أمه وأباه في موضع يكرها أن يُريا فيه، فيخرج ما رأى.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ} [النور:58] في هذه الأوقات على الأم والأب أن يعلما ولدهما الاستئذان.
{وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} استدل بها بعض العلماء أن الشخص إذا كان في خلوة يجوز له أن تنكشف عورته شيئًا ما إذا كان لا يراه أحد، ومن العلماء من قال: الأفضل أن يستتر في الخلوة أيضًا؛ لأن الملائكة تراه، بل لأن الله سبحانه وتعالى يراه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الله أحق أن يستحيا منه) .
وقوله تعالى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور:58] لأن هذه الأوقات الثلاثة مظنة انكشاف العورات، الرجل يدخل ينام ويخلع ثيابه، فقبيح بالأب أن يرى ولدُه عورته، وقبيح بالأم أن يرى ولدها عورتها، فهذا قبيح وإنما يفعله من لا خلاق له.
{ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} [النور:58] ، في غير هذه الأوقات الثلاثة لا تشقوا على الأطفال أن يستأذنوا في كل وقت، إنما الأطفال يستأذنون في هذه الأوقات الثلاثة، أما الكبار فيستأذنون في كل وقت.
في غير هذه الأوقات الثلاثة الأمر متجه إليك أن تستر عورتك، في غير الأوقات الثلاثة عليك -يا رجل- وعليك يا -امرأة- أن تستترا، لكن في الأوقات الثلاثة على الولد أن يستأذن على أبويه، وهذا منحى شرعي ينحى في عدة مسائل، فالرسول صلى الله عليه وسلم حكم أن ما أتلفته الماشية بالنهار فلا جزاء على صاحب الماشية، يعني: في النهار أنت تحرس بستانك وتحرس حقلك، فإذا جاءت الماشية واعتدت عليها يمكنك أن تطردها أنت، لكن إذا اعتدت الماشية ليلًا فأتلفت أرضًا فيعزم صاحب الماشية؛ لأنه كان ينبغي عليه أن يربطها، ولذلك يحكم في الديات الآن في بلاد السعودية: لو أن جملًا كان يمشي في الطريق وجاءت سيارة بسرعة فصدمت الجمل، ينظر في تحديد الأحكام: هل كان هذا ليلًا أو نهارًا؟ إن كان هذا نهارًا فيغرم صاحب السيارة أرشًا إن كان الجمل مجروحًا، ويغرم قيمة الجمل إذا قتل الجمل، وإن كان هذا ليلًا فيغرم صاحب الجمل الإتلافات التي في السيارة، وإن مات من في السيارة يتحمل صاحب الجمل دية الذين ماتوا؛ لأنه أرسل ماشيته ليلًا فأضرت بالعباد.
فهذا المنحى الشرعي: ففي هذه الأوقات الثلاثة التي هي من حقك أنت لا يعتدى عليك، فمن حق الرجل أن يسكن مع امرأته في هذه الأوقات الثلاثة، إذا جاء الولد يدخل فعليك أن تعلمه الاستئذان، أنت لست كل وقت مع زوجتك، ففي غير هذه الأوقات الثلاثة لا تحرج على الولد إذا كان طفلًا أن يستأذن، فإن ذلك يشق عليه.
قال الله سبحانه: {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} [النور:58] ، ففي غير هذه الأوقات الثلاثة: ليس عليكم ولا عليهم جناح، والمراد بالجناح: الإثم، أي: ليس عليكم ولا عليهم إثم بعدهن.
{طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور:58] أي: من شأن الأطفال أن يطوفوا على أبويهم، هذا يدخل عليه وهذا يخرج، فكونهم طوافين عليكم يشق على الطواف أن يطرق دومًا، فخفف عن الأطفال لهذا الغرض، قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الهرة: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) .
{طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:58] .
{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:59] أي: في كل وقت.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59] من أهل العلم كـ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من يقول: إن هذه من الآيات التي ترك الناس العمل بها، وهي آية محكمة في كتاب الله عز وجل لم تنسخ، كذا قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، هي وآية {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] ترك الناس العمل بها وقالوا: إن أكرمكم أغناكم وأوجهكم.
وكذلك قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء:8] ترك الناس العمل بها، إذا جئت والناس يتقاسمون الميراث، لا أحد من الذين يتقاسمون الميراث يقول: يا جماعة! أنتم تتقاسمون عشر قطع من الإرث، هيا نتصدق منها على الفقراء، ما أظن هذا يحدث الآن، هذه من الآيات التي ترك الناس العمل بها مع أنها محكمة لم تنسخ على الصحيح، أما تعليل البعض بأن الأبواب قديمًا كانت من الستور، وكان الأطفال يهجمون فيدخلون على أمهاتم وآبائهم مباشرة، أما الآن فأصبحت الأبواب لها أقفال ونحو ذلك فلا يحتاج إلى إذن، فهذا ليس بجيد أيضًا، فقد يغلق الوالد الباب وينسى أن يقفله بمفتاح، فإذا جاء الولد وفتحة رأى ما يكره، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وهذه الآية أصل في حفظ تصورات الأطفال، وإبقائها نظيفة، وهذه الآية تبين محاسن ديننا، فمن محاسن الدين: أن يبقى فكر الولد نظيفًا جميلًا يفكر فيما يرضي الله، ولا يفكر في العبث والفجور والمجون، وهذه الآية فيها إرشاد إلى أنه ينبغي أن نمنع أبناءنا من النظر إلى شاشات التلفاز وما فيها من فضائح، فمنع الله الطفل من الدخول على أمه وأبيه حتى لا يرى مناظر مكروهة، فمن ثم كل مكروه يأخذ نفس الحكم، إذا كان الطفل سيرى في شاشات التلفاز رجلًا فوق امرأة، أو الطفلة سترى في التلفاز رجلًا يقبل امرأة فنفس الحكم، فيجب أن يمنع الابن والبنت من رؤية التلفزيون، والله أعلم.