قال الله سبحانه وتعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء:117] ، إن: بمعنى (ما) ، وهي نافية، والمعنى: ما يدعون، (من دونه) أي: من دون الله، (إلا إناثًا) والمراد بالإناث هنا: الأوثان.
ومن العلماء من قال: إن كل صنم فيه جنية، واستدل البعض لذلك: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه كي يقتل العزى، فلما أقبل خالد على العزى إذا امرأة ناشرة شعرها، فقال الكهنة الذين حولها: يا عزى! خبليه، -خبليه: أي: أصيبيه بالخبل والجنون- يا عزى! عوريه -وعوّريه أي: أصيبيه بالعور وافقئي عينه- وأمعنوا في الجهل، فذهب خالد وكسرها، فرجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: ما صنعت شيئًا، وأرسله ثانية فوجد امرأة ناشرة لشعرها فتغشاها بالسيف، فقال بعض أهل العلم: إن خالدًا قتل العزى لهذا الحديث.
الشاهد: أن قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) أي: إلا أوثانًا، و (يدعون) هنا بمعنى (يعبدون) ، أي: ما يعبدون من دونه إلا إناثًا.
لقائل أن يقول: إن الدعاء هنا بمعنى: العبادة، لقوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [يوسف:40] ، وعليه فمعنى قوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء:117] أي: ما يعبدون من دونه إلا إناثًا، والدعاء أحد أفراد العبادة، والعبادة أوسع من الدعاء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) ، من باب تعظيم شأن الدعاء، وأن له قدرًا كبيرًا من العبادة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة) ، فللوقوف بعرفة قدرٌ كبير وعظيم من الحج لا يتم الحج إلا به، والحج أوسع وأشمل من الوقوف بعرفة؛ ففيه طواف، وسعي، ورمي جمار، ومبيت عند المشعر الحرام، ومبيت بمنىً ونحر.
إلى غير ذلك، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) ، يبين أهمية الوقوف بعرفة من الحج.
كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الدعاء هو العبادة) ، يبين أهمية الدعاء بالنسبة للعبادة، وقد دلّت أدلة على أن الدعاء عبادة.
منها: قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (الدعاء هو العبادة) ، ومنها: قول الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ} [مريم:48-49] وقد قدم قوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ} [مريم:48] ، على قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ} [مريم:49] ، فاستدل به على أن الدعاء بمعنى العبادة، وكذلك استدل بقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي} [غافر:60] ، وهذا أمر بالدعاء، {أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60] ، فأفادت الآية أن الدعاء عبادة أيضًا.
فذلك قول الفتية أصحاب الكهف: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ} [الكهف:14] ، قال عددٌ من المفسرين: أي: لن نعبد غيره، فالدعاء في قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء:117] بمعنى العبادة.