قال الله: {وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء:36] فالأقارب أيضًا لهم حقوق كما أن الأبوان لهم حقوق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المتقون؛ إلا أن لهم رحمًا سأبلها ببلالها) أي: أصلها بصلتها، ومعنى هذا الحديث: أن لهؤلاء الناس الذين ذكروا رحم سأبلها ببلالها، ومعنى سأبلها ببلالها كما قاله الشراح: أن الرحم كجلد الشاة اليابس، فجلد الشاة بعد أن تذبح يكون يابسًا وإذا بل بالماء لان في يدك، فكذلك الأقارب إذا لم يبلوا ويوصلوا أصبحوا عسرين في يدك، فإذا جئت تعرض عليهم رأيًا لم يقبلوا لك رأيًا، لكن إذا وصلتهم بالهدايا والكلمات الطيبة لانوا في يديك وأصبحت تحركهم كيفما شئت، تخيل أن لك قريب تهدي له وتصله وإذا مرض عدته، تخيل كيف يكون في يديك إذا أمرته بأمر؟ سيكون لينًا مطيعًا.
أما من لا تصله ولا توده ولا تهدي إليه، تخيل أنك ذهبت تطلب منه شيئًا أو تأمره بأمر؟ فيكون شاقًا عليك وصلبًا في يديك.
وينتبه أيضًا أن لذي القربى حق وإن كان مشركًا كافرًا بالله، فقد جاءت أسماء إلى رسول الله وقالت: (يا نبي الله: إن أمي أتتني وهي راغبة -أي: وهي مشركة- أفأصل أمي يا رسول الله؟ قال: نعم صلي أمك) فللأقارب حق وإن كانوا أهل شرك، فرب العزة يقول: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء:26] ، فدل ذلك على أن القريب له حق، وهذا الحق ما تعارف عليه الناس وما تعارف عليه علماء المسلمين في عهد الرسول ومن بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.