وقوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل:8] ، الذكر: حث عليه ربنا في جملة مواطن: في الليل، وفي النهار، وفي القيام، وفي القعود، وعند النوم، بل في كل المواطن.
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل:8] ، وقد أسلفنا أن الكلمة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تتعدد معانيها، ويؤخذ المعنى من السياق الذي وردت فيه هذه الكلمة، فمثلًا كلمة: (تبتل إليه تبتيلًا) أمر الله سبحانه وتعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بالتبتل، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، قال الصحابة ولو أذن له لاختصينا، فكيف يقال: (وتبتل إليه تبتيلًا) ؟ وكيف نجمع بين هذه الآية الكريمة التي فيها الأمر بالتبتل وبين قول الصحابي: رد النبي عليه الصلاة والسلام على عثمان بن مظعون التبتل؟ هناك تبتل مأمور به، وتبتل منهي عنه.
فالتبتل المأمور به لا بد أن يكون له معنى غير التبتل المنهي عنه، وأصل التبتل: الانقطاع كما قيل لمريم: البتول، أما رد النبي عليه الصلاة والسلام على عثمان بن مظعون التبتل، فالتبتل هنا بمعنى الانقطاع للعبادة وترك النساء؛ لأنه كان يريد الانقطاع كلية عن الزواج، ولا يتزوج أبدًا، كان يريد الانقطاع كلية عن الزواج ولا يتزوج، فالرسول رد عليه هذا ومنعه، لكن الآية: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل:8] أي: في الساعات التي تقوم فيها من الليل تصلي، انقطع فيها إلى الله انقطاعًا، ولا تشغلها بغير عبادة الله عز وجل، وليس المراد: انقطع عن كل أعمالك للصلاة، ولكن إذا قمت إلى الصلاة فرغ قلبك وفرغ ذهنك وفرغ عقلك لتدبر الآيات وللصلاة في هذه الأوقات التي خصصتها لقيام الليل، وهذا القول الأول في تفسير قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} .
القول الثاني في تفسير قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} أن يقال: (تبتل إليه) أي: اعبده وانقطع لعبادته، ولا تعبد غيره معه.
{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل:9] أي: اجعله وكيلًا عنك في كل شئونك، فإذا أردت قضاء حاجة من الحاجات فاجعله سبحانه وكيلًا لك لقضائها، تريد التوسط في شيء اجعله وكيلًا لك في قضاء هذا الشيء، مع الأخذ بالأسباب.