قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:4-5] .
وقد أفرد بعض أهل العلم هنا فصلًا طويلًا في التأكيد على قاعدة وجوب الأخذ بعمومات الأدلة وعدم الاقتصار على دليل واحد عند تقرير الأحكام أو القضايا، فإذا جئت مثلًا وأخذت آية واحدة: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون:4] كما قال أحدهم: ما قال ربك ويل للذي سكروا وإنما قال ويل للمصلينا وبنيت عليها العمل ضللت.
لكن حتى يستقيم لك الحكم فلابد أن تأخذ بالأدلة التي وردت في الباب كلها: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:5] .
(الويل) وادٍ في جهنم، أو هو التوعد بالهلاك والعذاب الشديد.
{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:4-5] أصل يركز عليه، فعند البحث في مسألة عليك أن تأخذ مجمل الأدلة التي وردت فيها، وتصدر حكمًا عامًا في شأنها، فمثلًا: في مسألة الشفاعة إذا أخذت دليلًا واحدًا وقعت فيما وقع فيه المعتزلة حيث نفوا الشفاعة لأهل الكبائر، واستدلوا بقول الله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} [البقرة:254] ، وقال: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} [الأنعام:70] .
لكن أهل السنة لما أتوا بالأدلة الأخرى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] أثبتوا الشفاعة؛ لكنها بإذن الله، فلا بد من الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة الواحدة من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لنستخرج حكمًا فقهيًا ينتظم من هذه الأدلة جميعًا.
فمثلًا أذكر أخوة كان أحدهم يضرب ابنه ضربًا شديدًا إذا رآه يشرب قائمًا، ولعل عددًا من إخواني يذكرون هذا، كانوا يضربون الولد ضربًا شديدًا إذا شرب قائمًا، ويستدلون بحديث: (زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائمًا) والحديث صحيح، لكن ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام شرب قائمًا، في البخاري وفي مسلم من حديث علي أنه قال بعد أن توضأ: (إن هناك أناسًا يزعمون أن رسول الله لم يشرب قائمًا، وإني رأيت النبي توضأ نحو وضوئي هذا ثم شرب قائمًا) ثم شرب علي قائمًا لتأكيد الفتيا.
فقد يغيب عليك الدليل فتقع بسبب ذلك في تشدد وتزمت وظلم لنفسك وللعباد، فعليك إذا أردت أن تقرر الحكم في مسألة أن تأخذ المسألة وتدرس الأدلة التي وردت فيها عمومًا، وبعد ذلك تستخرج حكمًا فقهيًا ينتظم به الأدلة مجتمعة، وهذا في جل المسائل، سواء كان في الأدب في الأخلاق أو في العقائد، حتى لا تقع في بدعة من البدع.
والشيعة لما أخذوا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام في شأن علي: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) قالوا: هذا رسول الله قال لـ علي ذلك، فأي شخص حارب عليًا فهو منافق عندهم؛ لأنه قال: القتال أشد من البغض.
فقيل لهم: إن الذي قال لـ علي: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) قال في شأن الزبير الذي قاتل عليًا (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) ، وقال: (الزبير في الجنة) .
فلابد إذًا أن نجمع بين الأدلة التي فيها (الزبير في الجنة) ، وبين حديث: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) ، وهكذا فالجمع بينها يتعين.
وقد فسر العلماء حديث: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) بأن الذي يبغضك يا علي بغضًا شرعيًا؛ لكونك ناصرت رسول الله وجاهدت مع رسول الله، ونمت في فراش رسول الله، وكنت سببًا في نصرة الإسلام، الذي يبغضك لهذا السبب منافق، لأنه يبغض الدين، والذي يحبك يا علي لشجاعتك ولقرابتك لرسول الله ولسبقك للإسلام، فهو في الحقيقة مؤمن، لأنه يحب أعمالك الإيمانية، ولكن إذا حصلت مشكلة بينك يا علي وبين صحابي من أجل الدنيا، فما صلة هذه بالنفاق أو بالإيمان، فقد حدثت خلافات بين علي وبين عدد من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كـ العباس بن عبد المطلب في أموال، ومع ذلك لم يخرج العباس إلى حيز أهل النفاق رضي الله تعالى عنه.
فالشاهد: أن الجمع بين الأدلة متعين، وهذه الآية كما قال عطية محمد سالم في تتمته لأضواء البيان: إنها أصل في الجمع بين الأدلة عند مناقشة مسألة من المسائل، سواء كانت في الفقه أو في العقائد أو في الأحكام أو في الآداب أو في غير ذلك.