السؤالهل يفهم من حديثكم عن الترجمة في عهد المأمون أن الحضارة الإسلامية لم تستند إلى علوم الإغريق واليونان في الطب ولا الهندسة ولا الرياضيات وغيرها من العلوم؟
الجوابفرق بين أن نتلقى عن غيرنا وبين أن نستفيد من علمه، بل يجب أن نستفيد من علوم غيرنا والحكمة ضالة المؤمن، فقد استفاد المسلمون في الطب والهندسة وغيرها من العلوم.
من اليونان ومن غيرهم، وعدَّلوا وأضافوا وشرحوا وزادوا، وإنما كان الكلام مقتصرًا في قضية التعبد، فإذا أخذنا عن غير الله ما نعبد به الله عز وجل وما نعرف به الله، فهنا يأتي الضلال.
نضرب لكم مثالًا على ذلك: فمثلًا اليونان تكلموا عن الله كلامًا مجردًا فهم يقولون: إن الله وجود مطلق لا يوصف بأي صفة، وإذا كان لا بد أن يوصف، يوصف بالنفي فقط، ليس بكذا ولا بكذا، فلما جاءوا إلى قضية بديهية عندنا جميعًا وهي قضية أين الله عز وجل؟ هم يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه!! وهكذا كان اليونان يعتقدون؛ لأنه هو ليس شيئًا عندهم، فهو مجرد وجود مطلق لا يوصف بشيء! فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه! وهذه عقيدتهم.
فجاء المسلمون ولم يهتموا بنقل الطب أو العلوم، بل نقلوا هذه العقيدة؛ وكما يذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابن القيم أن الأدلة على علو الله عز وجل على خلقه تقارب الثلاثة آلاف دليل، فهي بالآلاف ومن أوضحها دليل الفطرة، فكل مخلوق يشعر أن الله عز وجل فوق، حتى رائد الفضاء الملحد الشيوعي لما صعد على المركبة إلى الفضاء، ثم نزل إلى الأرض، قال: (لما صعدت رأيت الله) أي: آمنت بوجود الله، فاضطره استالين أن يغير عبارته إلى (لما صعدت لم أجد الله) ، أي: على مذهبه الكافر.
أي: لو أنه موجود فسيكون فوق، وهذه هي الفطرة البشرية؛ لكن أخذ المسلمون عقيد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وكتاب المواقف في العقيدة -وهو الذي يُدرَّس الآن في معظم الجامعات في العالم الإسلامي خارج المملكة - يقول: 'إن الله لا داخل العالم ولا خارجه'.
إذًا: فالشاب الأوروبي الذي هرب من دين النصارى لأنه يقول: (الله ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس) - أي: ثلاثة تساوي واحد- فقال: هذه عقيدة لا يقبلها العقل، وأنا أرفض هذه العقيدة وألحد بها أو آمن بنظرية دارون أو غيرها ثم رفضها؛ لأنها لا يقبلها العقل، أفنأتي نحن أمة القرآن ونقول له: تعال! أنت لا تريد تلك العقيدة، فعندنا العقيدة الصحيحة ما هي؟! نقول له: الله لا داخل العالم ولا خارجه! فهل يؤمن؟! لا يمكن أبدًا! هنا نعرف جناية هذه العلوم وهذه البدع وجناية العقائد المحرفة على دين الله عز وجل.