ونقف هنا أيضًا -أيها الإخوة- وقفةً أخرى؛ لأن العملية واحدة وتعاد وتكرر الأسطوانة في كل بلد، قيل: إن المرأة المصرية لابد أن تشارك في طرد الإنجليز والمستعمر، ولابد أن تسهم في خدمة وطنها، وفي بناء بلدها، وفي الخدمة الاجتماعية، وفي القيام بالواجب، نصف المجتمع لا يبقى معطلًا إلى آخر ما قيل في ذلك الزمن.
ومن هنا استغلت الحركة التي كان الإنجليز ينظمها ويرعاها -الحركة الوطنية- وخاصة حزب الوفد الذي كان يرأسه سعد زغلول، دخلوا من هذا الباب، وتبنى أولئك ما يسمى بتحرير المرأة، فكانت زوجة سعد صفية قد نسبت نفسها إليه، فسمت نفسها صفية زغلول وتركت اسم أبيها، وتبنى امرأة هي التي تسمى رائدة الحركة النسائية؛ لأنهم وجدوا أن قاسم أمين رجل، ولابد أن تكون الرائدة امرأة، فهذه المرأة هي هدى شعراوي، دخلت في حزب الوفد وتبناها سعد زغلول، وأفسح لها المجال، ومعها المدعوة الأخرى سيزا نبراوي، ومن هنا بدأت المؤامرة بأيادٍ نسائية.
وعندما قامت الثورة المصرية عام (1919م) -الثورة على الإنجليز كما سميت- وكانت ثورةً علمانية حيث كان شعارها: (الدين لله والوطن للجميع) وخرج الناس وقالوا: يجب أن نخرج جميعًا: اليهود والنصارى والمسلمون، واليهود في ذلك الوقت خرجوا علناًَ في مصر، للتظاهر ضد الاستعمار، فكان ممن خرج وشارك في هذه المؤامرة هدى شعراوي، ولجنة الوفد المركزية للسيدات كما سميت، خرج الوفد وخرجت معه هؤلاء السيدات في مظاهرة ضد الإنجليز، وكانت أغرب مظاهرة من نوعها في العالم الإسلامي، ولأول مرة تحدث أن النساء يخرجن ويظن أنهن في المظاهرة يحررن البلد ويشاركن في التنمية.
وكانت كثير من الخارجات متحجبات، حتى إن بعضهن مغطية الوجه أيضًا؛ لأن المسألة لم تكن قد أخذت بعدًا واقعيًا كثيرًا، وكان الحجاب هو الأصل، وكانت التي تنزع عن وجهها الحجاب ينظر إليها على أنها فاجرة ودنيئة ودنسة، ومن أسرة لا أصل لها ولا قيمة لها إلى آخر ما يقال.
وحرص سعد زغلول على أن يقام سرادقات ضخمة لاستقباله لما رجع من المنفى -كما يسمى- ودخل المعسكر، وكن محجبات، ونزع الغطاء من فوق وجه هدى شعراوي وأمر الباقيات أن ينزعن، فنزعه بعضهن وأخذن يهتفن ويصفقن ويقلن: هذه الوطنية، وعاش الوطن، وليسقط الإنجليز.
ما علاقة خروج الإنجليز وما علاقة الوطن بهذا التهتك؟! وما علاقة ذلك بالحرية؟! وما علاقة الحركة الوطنية؟! هكذا أيها الإخوان تربط القضية هذه بتلك، ويقال: إن خدمة الوطن لا تتم إلا بالتبرج والتهتك والتعري، فلو أن امرأة مسلمة قدمت لأمتها خدمة مثلًا في التعليم -ولو أمضت العمر كله وهي تعلم- أو في الطب ولكنها محجبة لا يذكرها أحد، ولكن إذا تهتكت وتعرت واشتركت في الأفلام، وفي مسابقات فنية، أو في أي شيء مما لا يرضاه الله تعالى تحدث عنها القاصي والداني واعتبروها رائدة، ورفعت سمعة بلادها، وساهمت في تنمية وطنها إلى غير ذلك.
الاسطوانة واحدة تعاد وتكرر في كل مكان.
ثم بعد ذلك أذن لهن سعد زغلول أن يشكلن لأول مرة في تاريخ الأمة الإسلامية تنظيمًا نسائيًا، وتشكل هذا التنظيم النسائي، وستعجبون إذا عرفتم أن المكان الذي انطلق منه هذا التنظيم وخرجت منه المظاهرة هو الكنيسة المرقصية، كنيسة القديس مرقص صاحب الإنجيل، في الكنيسة تجمعن -هؤلاء حزب الوفد- وهن مسلمات في الأغلب، وخرجن من الكنيسة يطالبن بترك الحجاب، وبالتحلل منه؛ لتعلموا ماذا تريد المؤامرة!