فهرس الكتاب

الصفحة 1975 من 2843

وأهل السنة والجماعة وسط -أيضًا- حتى في أسلوب حياتهم العملي، فمن أهل السنة والجماعة من كان يلي القضاء، ومن كان يلي بعض المناصب، ومن كان -أيضًا- ذا مال وسعة وفضل، وفي أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأسوة الكاملة؛ فكان فيهم أهل الثراء وأهل اليسار والغنى، كما كان في أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أيضًا- أهل الفاقة والفقر، وأهل الصبر والزهد، وكان في أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل العبادة والذكر، كما كان فيهم أهل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي من تميز بهذه الصفة دون غيرها من الصفات الأخرى.

ثم حصل لمن بعدهم الاضطراب في ذلك؛ فإن فئةً مالت إلى الدنيا وركنت إليها، ولم تتحرج في قبول أي ولاية ولم تتحرج في قبول أي منصب ولا في التوسع في الدنيا والأخذ منها، وقالوا: هذه خيرات وطيبات أحلها الله لنا، فاتسعوا في ذلك اتساعًا أخرجهم عما كان عليه السلف من التقلل من الدنيا والرغبة في الآخرة، وصدق التوجه إلى الله تعالى، ومنهم طائفة مالت إلى العكس فأخذوا بالزهد والتنسك وترك متاع الحياة الدنيا، حتى إنهم حرموا الطيبات، أو على الأقل نظروا إلى من أخذ شيئًا من الطيبات بأنه خارج عن الصواب وعن جادة الحق.

وتوسط أهل السنة والجماعة في هذا الأمر يدلنا على خاصية عظمى يتميز بها أهل السنة والجماعة وهي أنهم يدخلون في الإسلام كله، ويجمعون الدين كله، وأما غيرهم فإن حاله كحال النصارى الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة:14] فهؤلاء نسوا حظًا مما ذكروا به {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة:14] فوقع بينهم التنازع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت