الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات، الذين يتخذون منها ستارًا حين يريدون، وينتهكون قداستها حين يريدون! وكان على المسلمين أن يقاتلوهم أنى وجدوهم لأنهم عادون باغون أشرار لا يرقبون حرمة ولا يتحركون أمام قداسة. وكان على المسلمين ألا يدعوهم يحتمون بستار زائف في الحرمات التي لا احترام لها في نفوسهم ولا قداسة!
لقد كانت كلمة حق يراد بها الباطل وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه لتشويه موقف الجماعة المسلمة وإظهارها بمظهر المعتدي ... وهم المعتدون ابتداءًا وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداءًا.
هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون لا يقيمون للمقدسات وزنًا ولا يتحرجون أمام الحرمات ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام! ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات والمقدسات ويرفعون أصواتهم: انظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام!
فكيف يواجههم الإسلام؟ يواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة؟ إنه إن يفعل يجرد المسلمين الأخيار من السلاح بينما خصومهم البغاة الأشرار يستخدمون كل سلاح ولا يتورعون عن سلاح .. ! كلا إن الإسلام لا يصنع هذا لأنه يريد مواجهة لدفعه ورفعه، يريد أن يزيل البغي والشر وأن يقلم أظافر الباطل والضلال ويريد أن يسلم الأرض للقوة الخيرة ويسلم القيادة للجماعة الطيبة ومن ثم لا يجعل الحرمات متاريس يقف خلفها المفسدون البغاة الطغاة ليرموا الطيبين الصالحين البناة وهم في مأمن من رد الهجمات ومن نبل الرماة!
إن الإسلام يرعى حرمات من يرعون الحرمات ويشدد في هذا المبدأ ويصونه، ولكنه لا يسمح بأن تتخذ الحرمات متاريس لمن ينتهكون الحرمات ويؤذون الطيبين ويقتلون الصالحين ويفتنون المؤمنين ويرتكبون كل منكر وهم في منجاة من القصاص تحت ستار الحرمات التي يجب أن تصان! وهو يمضي في هذا المبدأ على اطراد .. إنه يحرم الغيبة .. ولكن لا غيبة لفاسق، فالفاسق الذي يشتهر بفسقه لا حرمة له يعف عنها الذين يكتوون بفسقه، وهو يحرم الجهر بالسوء من القول ولكنه يستثني"إِلاَّ مَن ظُلِمَ" [النساء: الآية148] فله أن يجهر في حق ظالمه بالسوء من القول لأنه حق ولأن السكوت عن الجهر به يطمع الظالم في الاحتماء بالمبدأ الكريم الذي لا يستحقه!.