فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 227

ولذلك نجد الدول التي تحترم شعوبها -ولو كانت كافرة- لا تقوى على اتهام المعارضين الذين يشرحون فكرتهم بتهمة التحريض، ففي الولايات المتحدة الأمريكية نجد أن الأحكام القضائية تؤكد التفرقة بين شرح الفكرة والتي تدفع سامعيها إلى ارتكاب فعل مخالف للقانون وبين التحريض على القيام بهذا الفعل إلا أن الحقيقة كما ذكر المستشار"فرانكفورتر"إنه لا يوجد معيار حاسم نستطيع أن نحدد بموجبه ماهية التحريض وهذا ما ردده في معارضته في قضية أخرى بقوله (إن كل فكرة تُعد تحريضًا].

ذكر د./ محمد عصفور في كتابه الحرية عن Freund"إن عرضًا للخطأ أو للظلم الاجتماعي يجب أن يسمح له كما يجب ألا تهدر حرية الإثارة الضرورية بسبب مخاطبتها للشعور أكثر من مخاطبتها للعقل. ذلك أنه إذا قيل بأن الدعوة للشعور هي دعوة للعاطفة وأن هذا يؤدي حتمًا إلى الفوضى والعنف فيجب أن يرد على ذلك بأن هذه الحجة كانت من قبل دائمًا ذريعة لقمع الإثارة السياسية، وحتى إذا ارتكب أحد اتباع المذهب الذي يروج له جريمة ما، فلا يمكن أن يعني ذلك أن تعليم المذهب يصل إلى درجة التحريض".

ومن خلال هذا النقل يتضح أيضًا مدى ضعف حجة الأنظمة العسكرية في اتهام مخالفيها بالتحريض، فثمة هناك فرق آخر وهو بين التحريض وبين الإثارة السياسية ولا يمكن أن توصف بالدعوة إلى العنف مطلقًا وإلا فما معنى المعارضة السياسية إذا خلت من الإثارة السياسية، ومن هنا قال رجال القانون إن دعوة المعارضة إلى تغيير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكذا إعادة النظر في الدستور بالطرق المشروعة لا يعتبر مطلقًا تحريضًا على الفوضى ولا على قلب نظام الحكم.

قال أحمد حماد في حرية الرأي:"ولعل تعبيرًا قانونيًا لا يبلغ في غرابته وتناقضه -في نظام ديمقراطي -مبلغ التعبير بعبارة"جرائم الرأي"فإنه لأمر متناقض حقًا أن تعتبر حرية الرأي حقًا دستوريًا ودعامة للنظام الديمقراطي وأن تكون ممارستها في بعض الأحيان جرائم غير واضحة المعالم وغير محددة الأركان!! في حين أنها ليست في حقيقتها سوى صورة من صور التعبير عن الرأي ومظهر من مظاهر ممارسة حرية دستورية أساسية وكان من الواجب أن تحمى بضمانات الدستور التي تكفل حرية الرأي حتى ولو انصرفت إلى المطالبة بتغيير النظامين السياسي والاجتماعي فمثل هذه الإثارة السياسية والاجتماعية صورة من صور التعبير عن الرأي التي كان يتحتم أن يحميها النظام الديمقراطي طالما أنها لم تبلغ مرتبة الإخلال المادي بالأمن أو النظام العام."

ونحن نرى -كما يرى البعض بحق- أنه لا يقع أي إخلال بالأمن أو عدوان على الجماعة أو قيمها بانتقاد النظم السياسية أو الاجتماعية القائمة أو الدعوة إلى تغييرها إلا إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت