إذا كنا رأينا من قبل أن هناك من المفكرين من دعا إلى السلطة المطلقة فهناك اتجاه مغاير لذلك تمامًا ينادي بتقييد السلطة وكبح جماحها ولو بالقوة إذا اقتضى الأمر، ولكن نضال هؤلاء طال وذهب الكثير منهم ضحية فكره وحبه للحرية، فمن منا ينسى النصيحة الجبارة التي أطلقها An Figome في وجه الملك Creon حين قال الملك إنه على المواطنين أن يطيعوا الحاكم في الجليل والتافه من الأمور -بالعدل نطق أو بالظلم والبهتان- عندئذ صاح انتيجون قائلًا:"إنني لا أعتقد أنك وأنت فرد تستطيع بكلمة من فمك أن تبطل القانون Izus أو قانون السماء وأن تتخطاه وهو الراسخ المكتوب"وبذلك صاغ انتيجون نظرية تقييد سلطة الدولة تجاه الأفراد بقانون سماوي لا يحق لهم مخالفته، انظر الديمقراطية وفكرة الدولة، عبد الفتاح العدوي ص128.
وإليك بعض من نادى بمبدأ تقييد السلطة بل مقاومتها والثورة عليها إذا أخلت بحقوق الشعب:
1 -جون أوف ساليز بري (1120 - 1180) ، فهو يقرر بأن الأمير ليس شيئًا يذكر إلا إذا خضع تمامًا لتعاليم الكنيسة ويرى أن القوة والبطش والقضاء على الحريات وعدم الاهتمام بمصالح العامة يبيح اغتيال وقتل الطاغية، فيقول"إنه ليس فقط من القانون قتل الطاغية بل ومن العدالة والصواب أيضًا، ذلك لأن من استبد بالسيف لا بد أن يقتل بنفس السيف". انظر الفكر السياسي الغربي د./ علي عبد المعطي ص 147، والحاكم عند جون أوف ساليزبري أنه يجب على الحاكم أن يكون مسؤولاَ عن إطاعة القانون المستمد من القانون الإلهي كما يكون مسؤولًا عن تحقيق العدالة وإثراء الفضيلة وتنمية القيم، ويجب على كل فرد وفي أي موقع أن يقاوم قدر طاقته كلها كل حاكم لا يلتزم بهذا بل إن جون يعلن"أن كل من يتقاعس عن طلب رقبة الطاغية يسيء إلى نفسه وإلى الآخرين"فهو يقرر حق الثورة على الطغاة واجبًا ملزمًا لجميع أفراد الأمة.
2 -توما الاكويني (1225 - 1274) : كان يرى أن أول وظائف الدولة هو تحقيق الأمن والطمأنينة في الحياة وتأمين الأفراد من الجوع والأخطار كما يرى أن طاعة القانون واجبة طالما كان عادلًا، أما القانون الظالم فإذا كان معارضًا للقانون الطبيعي [أي قواعد العدل] والقانون الإلهي [أي القانون الأزلي] فلا تجوز له الطاعة بأي حال من الأحوال، أما إذا كان معارضًا لحق ثانوي فرعي فيطاع. قلت وتوما هذا تأثر بالفيلسوف الإسلامي ابن رشد الذي يرى أن الخلافة نظام جمهوري لأنه يستند إلى الاختيار وأن سلطة الحاكم مقيدة بالشرع.