فهرس الكتاب
وفي تلك الأثناء قام أحد الصغار وهو عبدالرحمن بن إبراهيم بن عبدالمحسن البسام وكان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة، فقال بصوت مرتفع يخاطب الشيخ وهو يشرح، والناس يستمعون له: هَنَّاك الأول (1) يا أبا عبدالله _ يعني الشيخ عبدالرحمن _ قَرَّت عينك بأم عبدالله _ يعني زوجة الشيخ _ الحمد لله على السلامة، الفجر ما صليتَ بالجماعة الظاهر أن أم عبدالله نايمة على رأسك، لا تَعُدْ لذلك مرة أخرى.
فما كان من الشيخ إلا أن ضحك، ولم يستطع إكمال الدرس من الضحك، وهكذا الجماعة؛ من طرافة ذلك الموقف، ثم قام الشيخ الوالد عبدالرحمن من مكانه إلى الصبي عبدالرحمن البسام، وأعطاه ريالين عربي فضة؛ لأنه سُرَّ من كلامه، وكان سببًا في سرور المصلين؛ فصارت تلك الحادثة مدار حديث المجالس في تلك الأيام+.
فانظر إلى هذا الحلم، وتلك الحكمة، وانظر إلى حسن التصرف؛ حيث جعل من ذلك الموقف سببًا للسرور، والبسط؛ فماذا لو عنف ذلك الصبي؟ وما أثر ذلك عليه، وعلى والديه، وعلى جماعة المسجد؟
ولكنه الخلق، والأخذ بالرفق، الذي ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
8_ وهذا موقف يدل على حكمة الشيخ، وتلطفه في النصح والإنكار:
يقول ابنه محمد: =كان هناك رجل عرف عنه التهاون بصلاة الجماعة، ويحصل منه ظلم لنفسه وللآخرين؛ فعلم الشيخ بحال ذلك الشخص؛ فكان يتحرى الفرصة لمناصحته.
وفي يوم من الأيام تقابل معه الشيخ في الشارع دون موعد، فسلم عليه الشيخ، ورحب به، ولاطفه، وقال له: إما أن تعزمني أو أعزمك (2) ؛ فقال الرجل: أنا أعزمك يا شيخ، فقال الوالد: دعنا نرى أَيُّنا بيته أقرب من الآخر؛ فتكون القهوة عنده، فقال الرجل: سَمْ _ أي نعم _ فلما نظر وجد أن بيت الوالد أقرب.
(1) _ يعني أنا أول من يهنئك بوصول زوجتك أم عبدالله.
(2) _ من معاني العزيمة عند أهل نجد: الدعوة إلى المنزل إما لوليمة طعام، أو لتناول قهوة أو شاي، أو نحو ذلك.