فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 394

يا أخي إنك إذا تركت ما يجب عليك من المودة الدينية، وسلكت ما يحرم عليك من اتهام أخيك بالقصد السييء على فرض أنه أخطأ، وتجنبت الدعوة إلى الله بالحكمة في مثل هذه الأمور _ فإني أخبرك قبل الشروع في جوابي لك عما انتقدتني عليه: بأني لا أترك ما يجب عليَّ من الإقامة على مودتك، والاستمرار على محبتك المبنية على ما أعرفه من دينك؛ انتصارًا لنفسي، بل أزيد على ذلك بإقامة العذر لك في قدحك في أخيك بأن الدافع لك على ذلك قصدٌ حسن، لكن لم يصحبه علم يصححه، ولا معرفة تبين مرتبته، ولا ورع صحيح يوقف العبد عند حده الذي أوجبه الشارع عليه؛ فلحسن قصدك عفوتُ لك عما كان منك لي من الاتهام بالقصد السييء؛ فهب أن الصواب معك يقينًا، فهل خطأ الإنسان عنوانٌ على سوء قصده؟ فلو كان الأمر كذلك، لوجب رمي جميع علماء الأمة بالقصود السيئة، فهل سلم أحد من الخطأ؟! وهل هذا الذي تجرأت عليه (1) إلا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أنه لا يحل رمي المسلم بالقصد السييء إذا أخطأ، والله _ تعالى _ قد عفا عن خطأ المؤمنين في الأقوال، والأفعال، وجميع الأحوال؟

ثم نقول: هب أنه جاز للإنسان القدح في إرادة من دلت القرائن والعلامات على قصده السييء، أفيحل القدحُ فيمن عندك من الأدلة الكثيرة على حسن قصده، وبعده عن إرادة السوء ما لا يسوغ لك أن تتوهم فيه شيئًا مما رميته به.؟ وإن الله أمر المؤمنين أن يظنوا بإخوانهم خيرًا إذا قيل فيهم خلافُ ما يقتضيه الإيمان، فقال _ تعالى _: [لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا] النور:12.

واعلم أن هذه المقدمة ليس الغرض منها مقابلتك بما قلت؛ فإني كما أشرت لك: قد عفوت عن حقي إن كان لي حق، ولكن الغرض النصيحة، وبيان موقع هذا الاتهام من العقل والدين والمروءة الإنسانية.

(1) _ يعني من الكلام، والرمي بالتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت