فهرس الكتاب
21_ وهذا موقف يُبِيْنُ عن بعض أخلاق الشيخ في السفر؛ فقد كان يسافر أحيانًا على السيارة، وكانت السيارة المستأجرة في وقته هي السيارة المعروفة بالوانيت، وهي عِبَارة عن غمارة، وصندوق: والمقصود بالغمارة المكان المغطى بالحديد من أعلى بالزجاج الأمامي، والزجاجِ الذي على باب السائق والراكب.
وهذا المكان مخصص للسائق، واثنين أو ثلاثة من الركاب.
والغمارة درجة أعلى من الصندوق الذي يتسع لعدد أكثر ولكنه أقل امتيازًا وراحة بالنسبة للغمارة؛ فالصندوق عبارة عن حوض مكشوف يجلس فيه الركاب مع أغراضهم، وحاجاتهم، وربما مواشيهم.
يقول ابنه محمد: =عندما يسافر الوالد بالسيارة كان يتنقل ما بين الغمارة والصندوق؛ فكان يباسط السائق، ثم إذا أحس منه بإعياء انتقل إلى الصندوق؛ لكي يعطي السائق _ إذا كان مدخنًا _ فرصة للتدخين؛ لأنهم يحرجون من التدخين أمام الشيخ.
ولم يكن الشيخ ليقرهم على ذلك، وإنما هي حكمة سلكها الشيخ مع هؤلاء؛ فهم يحتاجون إلى وقت طويل لنصحهم، والأخذ بأيديهم إلى الإقلاع عن التدخين.
ثم إن في ذلك مصلحة أخرى وهي الحفاظ على أرواح الركاب؛ لأن هؤلاء المدخنين يصابون بالصداع إذا طال عليهم الوقت ولم يدخنوا، وقد يغفلون عن الطريق، وينحرفون عنه.
ولقد كان لهذه الطريقة الحكيمة أثر على السائقين، بل إن بعضهم أقلع عن التدخين، وازداد حبهم للوالد بسبب هذا المسلك الرائع.
وإذا كان معهم في السفر نساء فإنهن يكن في مقدمة صندوق السيارة، ويكون الرجال في الخلف على حمولة السيارة؛ فالوالد يغتنم هذه الفرصة للحديث، والتعليم، والفتيا، ويرفع صوته لأجل أن يسمع الرجال والنساء على حد سواء.
وإذا نزلوا في مكان في الطريق سار مسافة، أحضر معه ما يجده من حطب لأجل إشعال النار، وعمل ما يُراد عمله من طبخ طعام، أو إصلاح شاي أو قهوة+.
22_ وهذا موقف يتجلى فيه ذوق الشيخ، ورهافة حسه، ومراعاته للمشاعر.