فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 295

لكن الخليل (ت 170 هـ) وابن منظور (ت 711 هـ) وغيرهما، لم يرتضوا إطلاق وصف الحرف على الناقة المهزولة، واحتجوا بقول ذي الرُّمَّة (ت 117 هـ) [1] :

(الطويل)

جُمالِيَةٌ حَرفٌ سِنادٌ يَشُلُّها ... وَظيفٌ أَزَجُّ الخَطوِ رَيّانُ سَهوَقُ

فـ (( هذا نقض على من قال: ناقة حرفٌ أي مهزولة كحرف كتابة لدقتها، ولو كان معنى الحرف مهزولا لم يصفها بأنها جمالية سناد، ولا وظيفها ريان. ) ) [2] . وقد تتبعتُ أشعارَ الجاهليين، فوجدتهم يصفون الناقة بأنها (حرف) وقد تكرر ذلك في أشعارهم ثلاث عشرة مرَّة، وكذلك وصف المخضرمون نياقهم بهذا الوصف بالمقدار نفسه، وكان الأعم الأغلب منهم يريدون بهذا الوصف الناقة النجيبة المكرَّمة المكتنزة اللحم الشديدة البأس، وكانوا يردفون هذا الوصف بأوصاف تؤيد هذا المعنى مثل: (عزيزةٌ، أهانوا لها الأموال، مذكرةٌ، بازلٌ، بين يديها التبن منثور.) [3] .

ما سبق من المعاني للفظة (حرف) هي معان حسيَّة أوَّلية، أما المستوى الثاني من المعاني فهو ما نقل من إن حرف الشيء ناحيته ووجهته، وفلان على حرفٍ من أمره أي ناحية منه كأنه ينتظر ويتوقع، فإن رأى من ناحيته ما يجب، وإلاَّ مال إلى غيرها، ... وفي التنزيل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} (الحج: من الآية 11) ، أي إذا لم ير ما يجب انقلب على وجهه، قيل هو أن يعبده على السرَّاء دون الضرَّاء [4] ، وقال الزجاج: (( على حرفٍ أي على شكٍ. ) ) [5] ، ولم ترد لفظة (حرف) في القرآن الكريم في غير هذا الموضع، ونلاحظ هنا انتقالة من المعاني الحسيَّة إلى معنىً معنوي، وهو الحال الواحد، أو الشك، الذي قد يكون مأخوذا من الجهة والناحية.

ومن هنا قيل لكل كلمة تقرأ على أكثر من وجه في القرآن حرفٌ، فيقال: يقرأ هذا الحرف في حرف ابن مسعود أي في قراءته [6] ، وعلى هذا المعنى ما يروى عن النبي (في شأن نزول القرآن على سبعةِ أحرفٍ [7] ، وقد يكون هذا المعنى مستفادًا من المعنى السابق وهو الجهة والوجه والناحية.

وبعد فإن الحرف هو (( واحدٌ من حروف التهجي الثمانية والعشرين، سمي بالحرف الذي هو الأصل الطرفُ والجانبُ. ) ) [8] ، وأضاف الشيخ الطريحي (ت 1085 هـ) : (( وربما

(1) - ديوان ذي الرُّمَّة:1\ 471، وينظر معه مادة (حرف) في: العين: 3\ 210، لسان العرب:9\ 41، كتب حروف المعاني حتى القرن الثامن الهجري: 5.

(2) - العين 3\ 211، وينظر معه: لسان العرب: 9\ 41.

(3) - اعتمدت في متابعة أشعار جميع الشعراء وإحصائها على الإصدار الثالث من برنامج الموسوعة الشعرية، وهي موسوعة إلكترونية صادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة (المجمع الثقافي- أبو ظبي) سنة (2003 م) ، وتحتوي على أشعار (2300) شاعرا من عصر ما قبل الإسلام إلى سنة (1953 م) ، وتمتاز هذه الموسوعة بالدقة والشمول والرصانة في العمل، وأشرف عليها جمع من أساتيذ العربية في الوطن العربي، ويمكن مراجعة موقعهم على الشبكة العالمية للمعلومات: www.cultural.org.ar وقد استعمل هذا الوصف ثلاثة عشر شاعرا جاهليا من أصل (312) شاعرا، منهم: الأفوه الأودي، والحارث بن حلزة، النابغة الذبياني، وامرؤ القيس السكوني، بشر بن أبي خازم، وزهير، وطرفة، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل، وغيرهم.

(4) - ظ: لسان العرب: 9\ 42.

(5) - نفسه.

(6) - ظ: العين 3\ 211، وينظر معه: لسان العرب: 9\ 41.

(7) - ظ: مسند أحمد:1\ 34،43، صحيح مسلم بشرح النووي:6\ 99، فتح الباري شرح صحيح البخاري:9\ 19 - 20.

(8) - تاج العروس: 6\ 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت