ذلك. )) [1] ، فهذا الاستفهام الإنكاري يخرج إلى معنى التوبيخ والتقرير، والجواب ليس مطلوبا فيه على وجه الحقيقة، فسكوتهم يعني إقرارهم، وسكوتهم يعني أن ليس من شركائهم من يفعل ذلك. ومثله قوله - عز وجل: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} (قّ:36) ، قال الرازي (( استفهام بمعنى الإنكار، أي لم يكن لهم محيص. ) ) [2] ، أيْ: ليس لهم من محيص.
وقد يجعلها الاستفهام الإنكاري بمعنى (لا) النافية، مثل قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام: من الآية 50) ومثلها قوله - عز وجل: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (هود:24) ، وكذلك: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} (الرعد: من الآية 16) ، قال النحاس: (( أيْ: كما لا يستوي العالم والجاهل كذا لا يستوي المطيع والعاصي. ) ) [3] .
المعنى الثالث الأمر:
هنالك بعض المواضع استعملت فيها (هل) في استفهام مجازي يراد به معنى الأمر أو النهي [4] ، منها قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (المائدة: من الآية 91) ، أي: انتهوا، ومثله قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (هود: من الآية 14) ، أي: أسلموا، وكذلك: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} (الأنبياء: من الآية 80) ، أي: اشكروا، قال الرازي في تفسير آية المائدة: (( واعلم أن هذا وإن كان استفهامًا في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة، وإنما حَسُنَ هذا المجاز؛ لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلاَّ على الإقرار بالترك، فكأنه قيل له: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله {فهل أنتم منتهون} جاريًا مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب الانتهاء مقرونًا بإقرار الملكف بوجوب ... الانتهاء. ) ) [5] ، وقال في تفسير آية الأنبياء: (( أي اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة. ) ) [6] . إن المعنى الذي خرجت له (هل) ما كانت لتؤديه لولا ورودها في استعمال مجازي للاستفهام، فهي خارج الاستفهام لا تؤدي معنى الأمر البتة، إذن السياق الذي وردت فيه هو الذي مكنها من إعطاء معنى جديد فضلا عن المعنى الموضوعة له في أصل الوضع.
هذه هي المعاني الهامشية التي أدتها (هل) ضمن سياق الاستفهام المجازي في القرآن الكريم ودواوين أصحاب المعلقات، وما كان لها أن تؤديها خارج سياق الاستفهام المجازي. في حين كانت المصادر تذكر هذه المعاني على أنها معان أصلية يؤديها الحرف بنفسه، ولو فرقت بين مستوى الاستعمال المجازي للغة ومستوى استعمالها العادي في لغة التعامل اليومي
(1) - الجامع لأحكام القرآن: 8\ 340.
(2) - مفاتيح الغيب:28\ 149، وينظر معه: التبيان:9\ 373، مجمع البيان:9\ 249، تفسير الثعالبي:5\ 291، فتح القدير:5\ 80.
(3) - معاني القرآن: 6\ 159، وينظر معه: التبيان: 4\ 142، 6\ 410، مجمع البيان: 5\ 259، تفسير الثعالبي: 3\ 366.
(4) - ظ: الأمالي الشجريَّة:1\ 264.
(5) - مفاتيح الغيب: 12\ 424، وينظر معه مجالس ثعلب:2\ 588، والأمالي الشجريَّة:1\ 264.
(6) - مفاتيح الغيب: 22\ 168 - 169.