فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 295

الوظيفي أو المعجمي إلى معنى آخر، إذا ما وضعت في تركيب لغوي معيَّن. )) [1] ، فليس دقيقا أن نقول إن (هل) تساوي (ما) النافية، بل الأصح أن يقال قد ترد (هل) ضمن سياق الاستفهام المجازي بمعنى النفي، ولا أرى عبارة القرطبيّ المتقدمة إذ قال بها عن (هل) يراد بها الجحد دقيقة، فالاستفهام المجازي هنا مستعمل لتقرير الجحد على الكافرين.

وقد يخرج بها السياق إلى جهة معان مجازية أخرى منها التوبيخ والتقرير، فيكون معناها المستلُّ منها معنى (ليس) أو معنى (لا) النافية، وكانت هذه الطريقة شائعة في أشعار أصحاب المعلقات، منها قول امرئ القيس [2] :

(الطويل)

أَلا عِم صَباحًا أَيُّها الطَلَلُ البالي ... وَهَل يَعِمَن مَن كانَ في العُصُرِ الخالي

وَهَل يَعِمَن إِلّا سَعيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَليلُ الهُمومِ ما يَبيتُ بِأَوجالِ

وَهَل يَعِمَن مَن كانَ أَحدَثُ عَهدِهِ ... ثَلاثينَ شَهرًا في ثَلاثَةِ أَحوال

الاستفهام الإنكاري في البيت الأول يجعلنا نفهم من (هل) معنى (لا) النافية أي: (ولا يعمن من كان في العصر الخالي) ، أما في البيت الثاني فتُوَظَّفُ (هل) فيه لتُعطيَ معنى (ما) النافية ومن ثم تفيد هي و (إلاَّ) الواردة معها معنى الحصر والقصر، أما في البيت الثالث فتعود لتعطي لنا معنى (لا) أي: (ولا يعمن من كان أحدثَ ... ) ، فالحرف واحد (هل) لكن الاستفهام وظَّفه لإفادةِ معانٍ متعددةٍ، وهذا هو سحرُ المجازِ في اللغة وسببُ الاعتماد عليه كثيرا في النصوص الأدبية عموما والشعرية بصورة خاصة. ومثل هذا الاستعمال قول طرفة [3] :

(الطويل)

أَلا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحضُرَ الوَغى ... وَأَن أَشهَدَ اللَذّاتِ هَل أَنتَ مُخلِدي

التقدير: أنك لست بمخلدي، فطرفة يُنكر على من يلومه أنَّه يحضر الوغى ويحضر اللذات، ويستفهم مقررا له ومنكرا عليه، هل يضمن له الخلود إن امتنع مما لامه لأجله.

ومثل هذا المعنى أيضًا قول الحارث بن حلَّزة [4] :

(الخفيف)

كَتَكاليفِ قَومِنا إِذ غَزا المُنـ ... (مـ) ... ـذِرُ هَلِ نَحنُ لابنِ هِندٍ رِعاءُ

فالحارث يُنكر على ابن هند أن يكونوا عبيدا لهم، أي لسنا عبيدا له. إن هذا المعنى تكرر كثيرا في أشعار أصحاب المعلقات.

وكذلك كان شائعا في القرآن الكريم أن يستعمل أسلوب الاستفهام الإنكاري ليفيد معنى النفي، ولتعطي فيه (هل) معنى (ليس) أو (لا) ، فمن أمثلة الأول قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه} (يونس: من الآية 34) ، قال القرطبيُّ: (( أي قل لهم يا محمد ذلك على جهة التوبيخ والتقرير؛ فإن أجابوك وإلاَّ فـ {قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وليس غيره يفعل

(1) - أساليب النفي في العربية:225.

(2) - ديوان امرئ القيس:27، وينظر معه: شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 258.

(3) - ديوان طرفة بن العبد: 27، ديوان طرفة (درية الخطيب) :45، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:192.

(4) - ديوان الحارث بن حلزة: 14، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: 487.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت