فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 295

وهذا أكثر معاني هذا الحرف دورانا في النصوص الشعرية، وكذلك في القرآن الكريم، فقد وردت (أنْ) المصدرية (115) مئة وخمس عشرة مرَّة - على ما أحصيته - في دواوين شعراء المعلقات السبع، من أصل (137) مرَّة مجوع استعمالات الشعراء لهذا الحرف، لتكون النسبة المئوية بين استعمالها مصدرية إلى مجموع الاستعمالات عندهم (83.9%) ، أما نسبة استعمال المصدرية إلى مجموع أبيات الدواوين فتبلغ (2%) ، ولعلَّ سعةَ الاستعمالِ هذه متسقةٌ مع تسمية العلماء (أنْ) أمُّ باب (الأدوات الناصبة) .

وبقي استعمالها في لغة القرآن الحكيم متفقا تماما مع ما كانت عليه قبل نزوله، فقد وردت (أنْ) المصدرية (531) خمسمئة وواحدة وثلاثين مرَّة، وعندها تكون نسبة استعمال هذا المعنى إلى مجموع الاستعمالات القرآنية لهذا الحرف (85.7%) ، ونسبة ورود (أنْ) المصدرية إلى مجموع آيات المصحف الكريم (8.5%) ، لقد كشف الاستعمال القرآني لـ (أنْ) المصدرية ارتفاعا طفيفا جدا بالقياس إلى المعاني الأخرى على ما كانت عليه عند الشعراء قبل نزوله. إن استعمال (أنْ) المصدرية الناصبة يُشكِّلُ الغالبية العظمى من استعمالات هذا الحرف.

لقد كانت النسبة المئوية لاستعمال (أنْ) المصدرية إلى مجوع المعاني الأخرى لها قريبة جدا في الاستعمال القرآني لما كانت عليه في الاستعمال الشعري عند أصحاب المعلقات. لكننا في الوقت نفسه نلحظ فرقا ملموسا في نسبة ورود (أنْ) مصدرية في الآيات القرآنية والأبيات الشعرية، ففي كل مئة آية نجد ثماني مرات (أنْ) مصدرية، في حين نجد في كل مئة بيت من الشعر مرتين فقط (أنْ) المصدرية، فالارتفاع الذي كان في النسبة العامة لاستعمال هذا الحرف قرآنيا كان من نصيب (أنْ) المصدرية الناصبة.

نقلتُ في الفصل المتقدِّم عن العلماء: أن (أنْ) المصدرية أكثر ما تدخل على الفعل المضارع ناصبة له ومُخَلِّصَةً إياه للاستقبال، وكان العلماء قد أوردوا شواهدهم لإثبات هذا القول من الآيات القرآنية، ولم يكن ذلك لعدم توافر شواهد شعرية لهذا الاستعمال قطعا، بل لعله كان لقرب المأخذ من النص القرآني، وقوَّة الدليل الذي اتفق الجميع على أنَّه أقوى النصوص، وأرجح الأدلة لإثبات أيَّة قاعدة نحوية، أو معنى لغوي [1] ، وفي هذا ردٌّ على أحد الباحثين المعاصرين الذي ادعى: أن العلماء إنما أوردوا شواهد معاني الحروف من القرآن الكريم لأنهم لم يجدوا لها أمثلة في استعمال الشعراء قبل نزوله [2] .

وإذا طبقنا ما قرره العلماء على الاستعمال الشعري عند أصحاب المعلقات نجده دقيقا جدا، إذ وردت (أنْ) المصدرية متصلة بالفعل المضارع عندهم (103) مئة وثلاث مرات من أصل (115) مرَّة استعملت فيها (أنْ) مصدرية، وسأذكر هنا بعض الشواهد الشعرية لهذا الاستعمال، فقد قال امرؤ القيس [3] :

(الطويل)

فَإِمّا تَريني لا أُغَمِّضُ ساعَةً ... مِنَ اللَيلِ إِلاَّ أَنْ أَكُبَّ فَأَنعَسا

تَأَوَّبَني دائي القَديمُ فَغَلَّسا ... أُحاذِرُ أَنْ يَرتَدَّ دائي فَأُنكَسا

(1) - ظ: الفصل الأول: 32.

(2) - ظ: أثر القرآن والقراءات في النحو العربي: 206 - 208.

(3) - ديوان امرئ القيس: 105 - 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت