يردَّه عليه غيره من العلماء [1] ، وقد نقل أبو حيان عن الزمخشريّ والفارسيّ أنهما يريان أنَّ ثمَّة معنى يصحب التوكيد الذي تدل عليه زيادة (أنْ) وهو: (( أنَّ الجواب يكون بعقب الفعل الذي يلي(أنْ) فيه فينبه على السبب والاتصال. )) [2] لكنه استدرك على رأيهما بقوله: (( وما ذهبا إليه لا يعرفه كبراء النحويين. ) ) [3] .
قد يكون ما نقله أبو حيان صحيحا فأكثر النحويين قد لا يتنبهون إلى بعض المعاني في الكلام لكن أصحاب المعاني يقعون على تلك المعاني فهم لا يسلمون بزيادة (أنْ) في مثل هذه الآيات، وخيرُ مثل لهم ابنُ الأثير (ت 638 هـ) ، الذي التفتَ إلى دقيقةٍ لغويَّةٍ لم يلتفت إليها النحويون، فهو يرى أنَّ (أنْ) هنا أفادت معنىً معينٍ، وقد كان لها مكانها المخصص في الآية الكريمة، ولا يجوز أن يُفرَّطَ بها، فتوصف بالزيادة، وسأنقل نصَّه في معنى الآيتين على أنه طويل؛ للفائدة المرجوَّة منه، قال ابن الأثير: (( فقوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} بتكرير(أن) مرتين دليل على أنَّ موسى - عليه السلام - لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول، بل كان عنده إبطاءٌ في بسط يده إليه، فعبَّر القرآنُ عن ذلك بقوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} . وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضةٌ في هذه الآية، فقال إنَّ (أنْ) الأولى زائدةٌ، ولو حذفت، فقيل (فلما أراد أن يبطش) لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} ، وقد اتفق النحاة على أنَّ (أنْ) الواردة بعد (لمَّا) وقبل الفعل زائدةٌ، فقلت له: النحاةُ لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، من حيث إنَّهم نحاة، ولا شك أنَّهم وجدوا (أنْ) ترد بعد (لمَّا) وقبل الفعل في القرآن الكريم، وفي كلام فصحاء العرب، فظنوا أنَّ المعنى بوجودها كالمعنى إذا سقطت، فقالوا: هذه زائدةٌ، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت (لما) وورد الفعل بعدها بإسقاط (أنْ) دلَّ ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أنَّ الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء. )) [4] ثمَّ استدلَّ على كلامه هذا بدليلين بَيَّن فيهما أن الكلمة وضعت لمعنى، واستعمالها في نص بليغ لابدَّ أن يكون مقصودا، ويراد بها الدلالة على شيءٍ معينٍ، ولا يمكن قبول القول بزيادة الحروف في مثل هذه الآيات؛ لأنه يضرُّ بالإعجاز القرآني. وبعدها تحدث عن معنى الإبطاء في الآية الثانية قائلا: (( وأما قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} ، فإنه إذا نظر في قصة يوسف - عليه السلام - مع إخوته منذ ألقوه في الجب، وإلى أن جاء البشير إلى أبيه - عليه السلام - وُجِدَ أنَّه كان ثَمَّ إبطاء بعيدٌ، وقد اختلف في طول تلك المدة، ولو لم يكن ثَمَّ مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بـ(أنْ) بعد (لمَّا) وقبل الفعل، بل كانت تكون الآية: (فلما جاء البشير ألقاه على وجهه) . وهذه دقائقٌ ورموزٌ لا تؤخذ من النحاة، لأنها ليست من شأنهم. )) [5] ، إنَّ فهم هذا المفسر للقرآن الكريم حتَّم عليه رفض القبول بفكرة القول بزيادة الحروف التي يرددها النحاة، وإن كان بعضهم لا يريد بها أنَّ الحرف الزائد ليس له معنى في النص الوارد فيه. إنَّ معنى الإبطاء الذي أشار إليه ابن الأثير يمكن أن يكون معنى هامشيا أضَافَهُ السياقُ إلى دلالة الحرف، ولم يتنبه كثير من النحاة إلى هذا المعنى.
بقي أن نضع جدولا يبيِّن استعمالات الشعراء لـ (أنْ) ، ونسبها:
(1) - ينظر مثال ذلك ما نقله الرضي: 4\ 438.
(2) - ارتشاف الضرب:2\ 423.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - المثل السائر: 3\ 12 - 13.
(5) - نفسه: 3\ 14 - 15.