فهم منها المفسرون معاني هامشية لهذا الحرف، وتنوع فهمهم لها بحسب ما يمتلكه كل منهم من أدوات، وقرائن تعينه على تحليل النص، وفهم معناه الدقيق. وأزيد هنا: إن آيات الأحكام كان لها حظ وافر في النقاش الدائر حول معاني هذا الحرف، وقد اشتمل عدد منها على هذا الحرف، وكان لوجوده أثر بالغ في استنباط الحكم الشرعي، كما هو الحال في آية الكفارة (المائدة:89) ، وآية الفدية (البقرة: 196) وما دار حولهما من نقاش بين الفقهاء في جواز الجمع بين الكفارات أم لا وما إلى ذلك، وآية الوضوء والطهارة (النساء: 43، المائدة:6) ، وآية الصيام في السفر (البقرة: 184، 185) وآيات المواريث (النساء: 11، 12) والمحرمات من النساء (النساء:33) وغيرها الكثير أبتعد عن الخوض في تفاصيلها؛ خشية الإطالة.
إنَّ الاستعمال الشعري لهذا الحرف، مرتبط بتفسير النص القرآني إلى حدٍّ ما، فلم تتحدث المصادر اللغوية عن الأبيات الشعرية لشعراء المعلقات منفصلة، بل جاء الحديث عنها في أثناء كلامهم على تأويل الآيات القرآنية، وهذا دليل يؤكد أن النص القرآني كان المحفز الأول عند علماء اللغة لبحثهم عن معاني هذا الحرف أو غيره، ولولا النص القرآني فإني على يقين أنَّه لم تكن المعاني الخاصة بهذا الحرف تتوسع حتَّى جاوزت العشرة، وقد يعود هذا التوسع إلى وجهين:
أحدهما أن نسبة استعمال هذا الحرف في القرآن تزيد على نسبة استعماله عند شعراء المعلقات في دواوينهم بمقدار (1.1%) كما ذكرت قبل قليل، وهذه الزيادة في الاستعمال القرآني تكسب الحرف زيادة في السياقات الوارد ضمنها، مما يجعله عرضة للتلون بمعان خاصة أكثر منه عند الشعراء.
والوجه الآخر: أن السياق القرآني سياق معجز في استخدام اللغة، وُظفت فيه الألفاظ لتعطي أكبر قدر من المعاني، في أقل قدر من الألفاظ. وهذا ما تلمسته عند تتبعي لمعاني هذا الحرف، ففي الآية الواحد قد تصل المعاني التي يمكن أن يعطيها الحرف إلى ستة أو أكثر، بحسب وجهة نظر المتلقي. وهذا الشيء لم أره في الاستعمال الشعري عند أصحاب المعلقات، وهذا تأكيد لعبارة أحد الباحثين المعاصرين إذ يقول: (( لقد كان للقرآن الكريم - زيادة على ما ذكر - فضلٌ كبيرٌ في استحداث المعاني المختلفة للحروف، سواء أكانت حروفا عاملة أو عاطفة، ونحن إذا استعرضنا حروف الجر أو العطف أو الاستفهام، أو غير ذلك من الحروف، فسنجد أن كل ما قيل في معانيها، أو معظمه بلفظ أدقّ، قد اعتمد استنتاجه واستخلاصه على القرآن الكريم. ) ) [1] ، وإذ أنقل هذا القول لا اقصد به أن تلك القواعد لم تكن مستعملة في لغة العرب قبل نزول القرآن، بل أريد القول: إن فضل الكشف عن أغلبها يعود إلى القرآن، ولا يلغي هذا وجود قسمٍ آخرَ استحدثه القرآن، لم يكن الشعر يعرفه قبل نزوله، وهذا ما نذكره في المبحث الثاني من هذا الفصل.
وإذا أردت أن أذكر بعض النماذج لاستعمال الشعراء لهذا الحرف، فإني أذكر من استعمالات امرئ القيس لـ (أو) في أشعاره قوله [2] :
(الطويل)
أَلِمّا عَلى الرَبعِ القَديمِ بِعَسعَسا ... كَأَنّي أُنادي أَو أُكَلِّمُ أَخرَسا
يخاطب الشاعر صاحبيه أن ينزلا في الربع القديم بعسعس، أي في إدبار الليل في آخره، ليساعداه على الإلمام بهذا الموضع، ومناشدته له عن أحوال أحبته، ثم بيَّن أنه في ندائه له كمن ينادي، أو يكلم أخرسَ؛ إذ لم يرجع له جوابا، ويمكن أن تفيد (أو) هنا المعاني التي
(1) - أثر القرآن والقراءات في النحو العربي: 206.
(2) - ديوان امرئ القيس: 105، شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 264.