أفادتها في آية تمثيل الكفار بموقد النار، أو تمثيلهم بالصيب (في الآية:19 من سورة البقرة) [1] ، فنستطيع حملها على معنى (الواو) ، أي أنادي وأُكلِّمُ أخرسَ؛ إذ النداء غير التكليم فيجوز الجمع بينهما، ويجوز حملها على التخيير، أي من يراني يمكن أن يُمَثلني بمن يكلم أخرسَ، أو يمثلني بمن ينادي أخرسَ، ويمكن أيضًا حملها على معنى الإباحة، فيجوز للرائي أن يجمع بين المثلين، ولا يبعد حملها على الشك، وهو أصل المعاني، فهو شاكٌّ في حاله، وقد تحمل على الإبهام، بل ليس مستبعدا حملها على معنى (بل) ؛ لأنه قال أول الأمر: إنه كمن ينادي أخرس، ثم تنبه إلى أن في النداء بُعدا في المسافةِ بين المُنَادِي و المُنَادَى، ومع البُعدِ قد يكون هُنالك شغلٌ وعدمُ انتباه المُنَادَى، فليس عجبا أن لا يستمع لندائه، ومن ثم لا يجيبه، فعندها عَدَلَ عن هذا المعنى إلى ما هو أليق بالمقام، فهو لا ينادي، بل يُكلِّمُ، والتكليم فيه قُربٌ بين المُتكلِّمَينِ وفيه التفات أحدهما للآخر، وإقباله عليه، وعندها يصبح عدم الإجابة منه أمرا عجبا ومحيرا، وزاد من الحيرة في عدم الجواب أن جعل من يُكلِّمَهُ أخرسَ لا يقدرُ على النُّطقِ، ومن هذا الوجه يصلح حمل (أو) في البيت على معنى (بل) .
إن اختلاف المعنى في كل تفسير يرجع إلى جهةٍ مُعيَّنَةٍ في الكلام، ومحاولة توجيه الكلام نحو تلك الجهة، ففي حمله على معنى التخيير والإباحة يكون الكلام مُراعى فيه حال الرائي، واستشراف ما سيمثل حال الشاعر به، هل هو الأمر الأول أو الثاني أو يجمع بينهما؟ وأما حملها على معنى الشك فمراعى فيه حال الشاعر نفسه وحيرته، وحمله على الإبهام فمراعى فيه حال الشاعر والمخاطب في وقت واحد، لغاية في نفسه [أي الشاعر] أنْ يُبهم على المخاطب، أما حمل المعنى على معنى الواو فمراعى فيه التوسع في الكلام، وأن النداء والتكليم بينهما عموم وخصوص من وجه - على حدِّ تعبير المناطقة - وفي الحمل على معنى (بل) مراعى فيه الحالة النفسية للشاعر، والارتقاء بالنفس الشعري، والصعود به إلى مستوى أعلى. خلاصة ما تقدم: أن للسياق الأثر الكبير في أعطاء الحرف معناه الخاص به ضمن النص المعين، ولم يكن العلماء ليتنبهوا إلى كلِّ تلك المعاني إلاَّ من خلال النص القرآني، ومع وجودها في النص الشعري، المقدَّم زمنيا على القرآن الكريم إلاَّ أن الفضل كله يعود إلى القرآن في الكشف عن مكامن اللغة، ودقائق معانيها البلاغية. ومن أقوال امرئ القيس أيضًا قوله [2] :
(الطويل)
فَقُلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينُكَ إِنَّما ... نُحاوِلُ مُلكًا أَو نَموتَ فَنُعذَرا
وقد فُسِّرَت (أو) في البيت بمعنى (إلاَّ) في الاستثناء، فيكون المعنى نحاول ملكا إلاَّ أن نموت فنعذرا [3] ، قال البطليوسيُّ: (( وإنما نصب على تقدير(إلاَّ أن نموت) ، وهذا مثل قولك لألزمنك أو تقضيني [4] حقي، فمعناه: لألزمنك إلى الوقت الذي لا أستطيع فيه الطلبة، وهو وقت الموت، وقال بعضهم: (أو) بمعنى (حتَّى) ، فكأنه قال نحاول ملكا حتى نموت ... فنعذرا. )) [5] ، ونقل البغدادي عن بعضهم أن (((أو) هنا للغاية، أيْ: نحاول الملك إلى أن نموت. )) [6] ، هذه ثلاثة معان سمح بها السياق، وقد أفاد المفسرون من هذا البيت في تفاسيرهم، إذ استشهد به الطبريَّ (ت 310 هـ) والنحاسُ (ت 338 هـ) والطوسيُّ (ت 460 هـ)
(1) - وهي قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} (البقرة:17 - 19) ظ: الفصل الثاني: 75.
(2) - ديوان امرئ القيس:66.
(3) - ظ: الصاحبي في فقه اللغة: 128، رصف المباني: 133، خُزَانَةُ الأَدَبِ:8\ 544.
(4) - هكذا وردت ولعل الأصوب أن يقال: تقضي حقي.
(5) - شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 195.
(6) - خُزَانَةُ الأَدَبِ:8\ 544.