يصف فصوص الطوق بأنها ضياءٌ متطايرٌ من شُعَل المصابيح، لكنه استعمل (عن) ليدلَّ على ابتعاد كتل الضوء عن مصدرها، وتجاوزها المصابيح ليكون نورها أكثر ظهورا، وهذا هو معنى الابتعاد والمجاوزة، وهو المعنى المركزي لـ (عن) ، وحمل معه معنى (من) الذي هو ابتداء الغاية، ليلمح إلى ابتداء التطاير ومصدره، ومنه قول طرفة [1] :
(الرمل)
وَرِثوا السُؤدُدَ عَن آبائِهِم ... ثُمَّ سادوا سُؤدُدًا غَيرَ زَمِر
(عن) هنا تحتمل فضلا عن معناها المركزي معنى (من) ؛ لأنهم إنما ورثوا السؤدد من آبائهم فتجاوز الآباء إلى الأبناء، ثم إن الأبناء سادوا سيادة غير قليلة، زيادة عمَّا ورثوه من آبائهم، لذا استعمل الشاعر (عن) ليفيد من المعنى المركزي مع المعنى الهامشي الذي أعان على فهمه السياق. ومثله بيت لعمرو بن كلثوم [2] ، وعند شعراء المعلقات أبيات غير قليلة يُحمِّلُونَ فيها (عن) معنى (من) مع معناها المركزي [3] .
وكذالك قد يُحمِّل بعض الشعراء (عن) معنى (الباء) كقول عمرو [4] :
(الوافر)
مَلَأنا البَرَّ حَتّى ضاقَ عَنّا ... وَنَحنُ البَحرُ نَملأُهُ سَفينا
لمَّا كثر عددهم حتى ملؤوا البر فضاق بهم، واستعمل (عن) ليدلَّ على أنهم تجاوزوه كثرة وعددا، وقال مثله عنترة يصف جيش الفرس وكثرتها وقد ضاقت بها البيداء [5] :
(الكامل)
وَلَقَد لَقيتُ الفُرسَ يا اِبنَةَ مالِكٍ ... وَجُيوشُها قَد ضاقَ عَنها البيدُ
ومن استعمال هذا المعنى قول طرفة [6] :
(الطويل)
وَتَبسِمُ عَن أَلمى كَأَنَّ مُنَوِّرًا ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَملِ دِعصٌ لَهُ نَدي
يصف فتاةً تبسم بثغر ألمى اللِّثَتَين، ووصف اللثاتَ بأنها سمرٌ يعني أنَّ بياض الثغر يكون في أشده، والمنوَّر هو زهرة الأقحوان وقد ظهر نورها، فالتبسم والضحك يكون بالثغر، وقد استعمل الشاعر (عن) بدل (الباء) ؛ لأنه أراد أن يجمع مع معنى البعد والمجاوزة معنى الباء.
هذه هي جملة المعاني الهامشية لـ (عن) التي تنبَّه لاستعمالها القرآني العلماءُ، وقد استطعت أن أرصد لها نماذجَ مماثلة تُحمَلُ عليها من أشعار أصحاب المعلقات، وهذا يعني أن هذا الحرف كان يتحلَّى بمرونة عالية، وقابليَّةٍ كبيرةٍ على تَحَمُّلِ معانٍ إضافيةٍ مع معناه المركزي، وتأديتها من خلال النصوص الأدبية، مما يجعل النص متحركا في معناه يتقلب للرائي، كلما عاود النظر إليه من مكان ما ظهر له بلون جديد.
(1) - ديوان طرفة بن العبد: 60، ديوان طرفة (درية الخطيب) : 74.
(2) - عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره:140.
(3) - ظ: ديوان الحارث بن حلِّزة: 10، ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 160، 46، شرح ديوان زهير:254، شرح ديوان لبيد:70.
(4) - عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره: 141.
(5) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 42.
(6) - ديوان طرفة بن العبد:8، ديوان طرفة (درية الخطيب) : 26، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:143.