فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 295

في هؤلاء الذين يختانون أنفسهم أي يخونونها، وقد قال تعالى في موضع آخر: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} (المجادلة: من الآية:1) ، فعدَّى الفعل بـ (في) في حين عُدِّيَ هنا بـ (عن) ، وتحتمل (عن) هنا أيضًا معنى البدليَّة، فالنبي (كان يجادل بدلا عنهم رأفة بهم، وكان الجدال فيهم، وقد استعملت الآية هنا(عن) ؛ لأنها تريد أن تبتعد بذكر النبي المقدَّس (من أن يقترن بهؤلاء الخائنين أنفسهم والظالمين لها، ومكانة النبي مع ما فيها من الرحمة تنأى عن أن تقرن بذكر هؤلاء، وهذا هو الخطاب القرآني البليغ المهذب، فالنبي يجادل فيهم وبدلا عنهم مبتعدا ومتجاوزا ذواتهم لما فيها من نقص، في حين في آية المجادلة استعملت(في) ، ولم يكن هنالك ما يدعو لإبدالها بغيرها، بل كانت تلك في محلها أبلغ. هذا الفهم القائم على الإفادة من نظرية المعنى الحرفي المركزي والمعاني الهامشية المرافقة له تجعل النص أكثر تعبيرا، وأكثر إيصالا للمعاني منه إذا قلنا بالتناوب، أو قلنا بالتضمين، إذ سيفقدنا الأول جزاءً من المعنى ويجمِّد الثاني المعنى على نحو معيَّن، علما أن المفسرين لم يشيروا إلى هذه المعاني [1] . ولا أريد هنا أن أُحمِّل النص القرآني معنى قد لا يتفق معي فيه عالم آخر، بل أقول إن من المفسرين من فهم من النص معنى الظرفية، بناءا على ما توافر أمامه من قرائن، وفهمه هذا المعنى يمكن تخريجه بصورة أمثل وأكثر كمالا إذا ما فسر فهم المفسر على وفق نظرية المعنى المركزي والمعاني الهامشية للحروف.

أما الآية الثانية التي يصحُّ حملها على مثل هذا المعنى قوله - عز وجل: {فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} (الذاريات من الآية:44) ، قال الرازي: (( عتا يستعمل بـ(على) قال تعالى: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَانِ عِتِيًًّا} (مريم: 69) ، وههنا استُعمِلَ مع كلمة (عن) فنقول: فيه معنى الاستعلاء فحيث قال تعالى: {عن أمرهم ربهم} كان كقوله: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} (الأعراف:206) ، وحيث قال (على) كان كقول القائل: فلان يتكبر علينا )) [2] ، استشعر الرازي هنا معنى الاستعلاء؛ لرسوخ تعدي الفعل (عتا) بـ (على) في ذهنه، في حين أنَّ المعنى فيه فرق واضح إذا ما عدِّي بـ (عن) أو عدِّي بـ (على) ، وقد يكون في هذه الآية الكريمة معنى الظرفية مع المعنى المركزي للحرف فثمود قد عتوا وتجاوزوا الحد في تخطيهم حدود ما أمرهم الله تعالى به، فهم قد عتوا عن الأمر، والأمر هو نفسه محل العتو وظرفه. ومثلها قوله تعالى: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} (الطلاق من الآية:8) . أقول: إن التبصُّر بآيات القرآن الكريم قد توصل إلى فهم معان أخرى لا تبدو ظاهرة بل يتحسسها المتأمل للنص القرآني، وهذه مزيَّة مما تميز بها هذا النص المعجز.

أما معنى (من) فقد أضيف إلى معنى (عن) المركزي في كثير من أبيات أصحاب المعلقات، منها قول امرئ القيس [3] :

(الطويل)

كأَنَّ فُصُوصَ الطَوقِ لَمَّا تَنَاثَرَت ... ضِيَاءُ مَصابِيحٍ تَطَايَرنَ عَن شعَل

(1) - ظ: الكشاف:1\ 562، مفاتيح الغيب: 11\ 213.

(2) - مفاتيح الغيب: 28\ 185، وينظر معه: الكشاف:4\ 19.

(3) - ديوان امرئ القيس:468.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت