أعداءه، فـ (عن) هنا فيها زيادة على معناها المركزي هي تحملها معنى (البدلية) ، فهو أبعد الخيل، وهذا الإبعاد لم يأت من المكروب، بل من امرئ القيس. ومثله قوله في ذمِّ (البراجم ويربوع) أنهم لم يقاتلوا جارهم، ولم ينصروه [1] :
(الطويل)
فَما قاتَلوا عَن رَبِّهِم وَرَبيبِهِم ... وَلا آذَنوا جارًا فَيَظعَنَ سالِما
وقد يحمل على هذا المعنى أيضًا قول كثير منهم (أبلغ عني) وما ماثلها [2] ، فإبلاغ الرسائل يكون بدلا منه، وإنَّ استعمال (عن) في ذلك ليعطي دلالة البعد بينه وبين من يريد إبلاغه، من ذلك قول طرفة [3] :
(الطويل)
أَلا أَبلِغا عَبدَ الضَلالِ رِسالَةً ... وَقَد يُبلِغُ الأَنباءَ عَنكَ رَسولُ
من المعاني الهامشية الأخرى التي أتت بها (عن) في الاستعمال القرآني معنى التعليل، نحو قوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} (هود: من الآية 53) ، وكان عنترة قد حمَّل (عن) معنى التعليل، فضلا عن معناها المركزي في قوله [4] :
(الكامل)
فَزَجَرتُها عَن نِسوَةٍ مِن عامِرٍ ... أَفخاذُهُنَّ كَأَنَّهُنَّ الخَروَعُ
وإنما زجرها عنترة لينهاها عن أولئك النسوة، فالنسوة سبب الزجر، واستعمل عنترة (عن) ليعطي معنى البعد عنهن، فضلا عن كونهن سبب الزجر.
وقد تَحمِلُ (عن) معنى الظرفية، وقد استدل النحاة عليه ببيت الأعشى الكبير كما نقلته عنهم في الفصل الثاني - وفيه نظر - وقد وجدت بيتا للبيد يصلح للاستشهاد لهذا المعنى أفضل من بيت الأعشى وذلك قوله [5] :
(الطويل)
فَلَم أَرَ يَومًا كانَ أَكثَرَ باكِيًا ... وَحَسناءَ قامَت عَن طِرافٍ مُجَوَّر
الطراف هو البيت المصنوع من الأُدم، ومجوَّر أي مقوَّض وساقط، فيصف لبيد تلك الحسناء وقد قامت في هذا البيت المقوَّض باكية ونادبة، فـ (قامت عنه) فيه معنى المجاوزة والبعد، وإن كان معنى الظرفية ملموحا أيضًا، إذ البيت محل القيام ابتداءً.
ولم يذكر النحاة لمثل هذا المعنى شاهدا من القرآن، لكن عند تتبعي لاستعمالات القرآن الكريم لهذا الحرف وجدت ثلاثة مواضع قد يصح أن يقال فيها أنها تحوي معنى الظرفية مع معنى (عن) المركزي، أولها قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} (النساء من الآية:107) ، الذي أفهمه من سياق الآية أن معنى (عن) هنا يحتمل فضلا عن معناه المركزي الذي هو المجاوزة والبعد معنى أو معاني هامشية أخرى، فهو يحتمل معنى الظرفية؛ لأن الجدال كان
(1) - ديوان امرئ القيس: 131.
(2) - ظ: ديوان طرفة بن العبد: 113، ديوان طرفة (درية الخطيب) :124، الحارث بن حلزة: 11، عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره:121، 133، ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 310، شرح ديوان زهير:18، 305،.
(3) - ديوان طرفة بن العبد: 77، ديوان طرفة (درية الخطيب) :90.
(4) - ديوان عنترة (مولوي) : 264.
(5) - شرح ديوان لبيد:51.