فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 295

قرابة رُبع مجموع الاستعمالات القرآنية لهذا الحرف، في حين كان مجموع نسب (عنَّا، وعنكم، وعنهم، وعنهن) في الاستعمال الشعري لأصحاب المعلقات (9%) .

أما مجموع نسب استعمال القرآن لـ (عن) مع ضمير المفرد (عنه، وعنك، وعنها، وعنِّي) فيصل إلى (16%) من مجموع الاستعمالات، في حين وصل مجموع نسب هذه الأربعة في الاستعمال الشعري (37%) ، ومنه يتبيَّن أن الاستعمال القرآني لـ (عن) مع ضمائر الجمع يزيد على الاستعمال الشعري لها بضعفين ونصف، ويقل في استعمالها مع ضمائر المفرد بالنسبة نفسها تقريبا.

إن الاستعمال القرآني لهذا الحرف - ومن خلال دخوله على الضمائر - وضع لنا معلما واضحا على اهتمام الخطاب القرآني بالمجموع أكثر من اهتمامه بالفرد، وبعكسه كان الخطاب الشعري، الذي بَيَّنَت الأرقامُ بصدقٍ أنه يسعى دائما إلى تعزيز الفردية والذاتية. ويؤكد هذا الاستعمال النظرة الشمولية لبني البشر في الخطاب القرآني، فالقران المُنَزَّل إلى الكل لابدَّ أن يهتم بخطاب الكل، أما لماذا كانت نسبة ضمير جماعة الغائبين (عنهم) في الخطاب القرآني تزيد على ضعف استعمال هذا الحرف مع ضمير جماعة الحاضرين (عنَّا وعنكم) ؟ فأعتقد: إن الخطاب القرآني في كثير من مواضعه كان يُوَجَّه إلى النبي (صاحب المقام الأول في البشرية، والمستحق بكرامته أن يُوَجَّهَ الخطابُ الإلهي المباشر له، وكان هذا الخطاب يُعْنَى بشؤون البشر كلهم، وفيهم كثيرٌ من العاصين والمذنبين والكافرين، وهؤلاء ليسوا في مقام أن يحضروا في الخطاب الإلهي المباشر بين المُرسِل والرَّسُول، فناسب المقام أن يُكنى عنهم بضمير الغيبة، مراعاةً لأدب الخطاب في توجيه الرسالة الإلهية بوساطة النبي (إلى البشرية جمعاء.

لقد تبيَّن من الفصل الثاني: إن المعنى المركزي لـ (عن) هو المجاوزة والبعد وكان هذا المعنى هو السائد في استعمالات الشعراء له في دواوينهم، وقد ذكرت بعض الشواهد هنالك وإن كان المقام لا يستوجب الاستشهاد له لكثرته ووضوحه، أما المعاني الهامشية التي ذكرت في الاستعمال القرآني لهذا الحرف، فقد تمكنت من رصد نماذج مماثلة لتلك المعاني في أشعار أصحاب المعلقات، وهذا يعني أن أكثر تلك المعاني كانت مستعملة، وقد نزل القرآن على سنن كلام العرب، واستعمالاتهم لمفرداته، لكن فضل الكشف عن تلك المعاني لا يغادر القرآن والدراسات القرآنية بحال من الأحوال، ولا يمنع هذا من أن يبتدع القرآن معنى هنا أو هنالك، ويستعمله الناس حتى كأنه مألوفٌ عندهم، غير نافر عن طباع لغتهم.

من المعاني الهامشية التي ذكرت في الفصل السابق لـ (عن) أنها تأتي بمعنى البدل، واستشهدوا له بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} (البقرة: من الآية 48) ، ويظهر أن هذا المعنى كان مستعمل في مثل قول امرئ القيس [1] :

(الطويل)

فَيا رُبَّ مَكروبٍ كَرَرتُ وَراءَهُ ... وَطاعَنتُ عَنهُ الخَيلَ حَتّى تَنَفَّسا

يقول الشاعر لئن عاد إليَّ دائي القديم وأضرَّ بي، لقد أخذت من الدنيا نصيبي، وأخذ يذكر بعض ما يفخر به منه أنَّه كثيرا ما كرَّ في إثر مكروب وطاعن بدله الخيل ودفع عنه

(1) - ديوان امرئ القيس:106، وينظر معه شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت