تذكرنا أن (لم) من القرائن التي تقلب دلالة الفعل المضارع إلى الماضي، قلت: إن رفض هؤلاء كان لواقعهم المنصرم، وليس رفضا للغد وما فيه من أمل، بل هم يحاولون تسخير العيش في الغد لينالوا ما يرضيهم فيه من متع الحياة وبهجتها. ولعلي أستطيع أن أعزز هذا الرأي من خلال إنعام النظر في حياة امرئ القيس الذي كان عابثا يعيش للهو واللذة. أما الحارث وعمرو وعنترة فكانوا أكثر رضا عن واقعهم الذي يحيونه، ولعل عنترة وجد في الصحراء التي يقطنها، وفي حياة الفروسية التي يحياها ما يرضي دوافعه النفسية، ومن ثم كان أكثر قدرة على معالجة الواقع الذي هو فيه من خلال الفروسية والشجاعة والإقدام. وتميز لبيد المخضرم، فقد كان بين هؤلاء وهؤلاء، إذ عايش العصرين ولاشك أن حياته في الجاهلية كانت تضطرب ببعض ما لا يُرضيه مما قد يدفعه إلى النفي في الكلام بل الإكثار من النفي في الشعر، أما في الإسلام فقد كان أكثر استقرارا مما كان عليه في عهده الأول، ولا يمنع عدم نظمه الشعر بعد إسلامه من القول بهذا، إذ المراد أن نفسية هذا الشاعر كانت تعتمل فيها عناصر الرفض لواقع معين لكنها أقل مما في نفس امرئ القيس ورفيقيه.
إن هذا الاستنتاج ليس قانونا علميا ثابتا يمكن قياسه بمقاييس العلم المنضبط كالرياضيات والفيزياء، وإنما هي ملاحظات علمية تتسم بالشمول والاطراد ترشح من خلال المعطيات الفكرية للغة الأفراد، وتساعدها قرائن معينة من حياتهم العامة والخاصة، ويحق لباحث آخر أن يرفضها إن توافرت أمامه حقائق أكثر ثباتا منها، وأكثر اطرادا مما قدمته، لكنني أرى في ما تقدم انطباقا على واقع الحياة العامة والخاصة لأصحاب المعلقات السبع، وهو مطرد مع ما يترشَّح من استعمالاتهم للحروف الأخرى.
استعملت (لم) في القرآن الكريم (348) ثلاثمئة وثمانيا وأربعين مرَّة [1] ، فكانت نسبتها إلى مجموع آيات الكتاب العزيز (5.4%) أي أننا سنلقى خمسة موارد في كل مئة آية أو أربعة وخمسين موردا في كل ألف آية، وهذه النسبة في الاستعمال القرآني نسبة ظاهرة وملحوظة وهذا يعني إن هذا الحرف ليس من الحروف القليلة الاستعمال في لغة القرآن الكريم، وليس من الحروف الكثيرة الاستعمال بل هو حالة وسط، وتقلُّ نسبة استعمال هذا الحرف عمَّا كانت عليه عند الشعراء أصحاب المعلقات بمقدار (0.5%) خمسة استعمالات في الألف، وهو مقدارٌ يسيرٌ جدا.
قد تدخل همزة الاستفهام على (لم) فسينقلب الاستفهام إلى المجاز، فيدخله معنى التقرير أو التوبيخ نحو قول القائل: (ألم أُحْسِنْ إليك؟) فالمعنى هنا تقرير الإحسان والتوبيخ على نكرانه، وليست الهمزة هنا للاستفهام الحقيقي، إذ الاستفهام يجب أن يكون عن شيء لا يعلمه المستفهم، بخلاف التقرير والتوبيخ، وفي هذه العبارة يكون المستفهم على يقين من الإحسان، لكنه يوبخ المخاطَب على نكرانه [2] .
لقد استعمل الشعراء الهمزة الداخلة على (لم) في ستة عشر موردا في دواوينهم [3] ، وكان أكثرهم استعمالا لها زهير فقد استعملها خمس مرات، وهذا متفق مع ما قدمته من حالة
(1) - ذُكر في (معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم: 507) أنها تكررت (346) ، بفارق آيتين عمَّا أثبته، وعندما عدد الآيات ذكر لنا (347) فاشتبه في العدِّ في آية، ثم إنه قد فاتته آية واحدة هي (النساء:25) لم يلتفت إليها، وقد اشتبه أيضًا في آيتين فأعطاهما أرقاما مخالفة لحقيقتها هما: الآية (2\ 33) سماها (2\ 106) ، و الآية (5\ 41) سماها: (5\ 4) والآية (14\ 24) سماها (14\ 28) . والصحيح أن مجموع تكرار هذا الحرف (348) تبعا لما أحصيته مستعينا ببرنامج (نور جامع الأحاديث) ، فيمكن الرجوع إليه للإطلاع على هذه المواضع مفصَّلة.
(2) - ظ: رصف المباني: 280.
(3) - ظ: ديوان امرئ القيس:41، 98، ديوان طرفة بن العبد:148، عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره:130، 134، ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 58، 151، أشعار عنترة العبسي:51، شرح ديوان زهير:120، 260، 288، 328، شرح ديوان لبيد:2، 72.