فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 295

الرفض الدائم لواقعة ومعاناته بسبب ذلك الواقع الذي يكابده، وكان يستعملها للتقرير، والإنكار على من يظن أن كرائم ماله تنجيه من الأقدار أو تنجيه عزته ومنعته منها، فيخلد، يقول زهير [1] :

(الطويل)

وَما إِن أَرى نَفسي تَقيها كَريهَتي ... وَما إِن تَقي نَفسي كَرائِمُ مالِيا

أَلا لا أَرى عَلى الحَوادِثِ باقِيا ... وَلا خالِدًا إِلاَّ الجِبالَ الرَواسِيا

وَإِلاَّ السَماءَ وَالبِلادَ وَرَبَّنا ... وَأَيّامَنا مَعدودَةً وَاللَيالِيا

أَلَم تَرَ أَنَّ اللَهَ أَهلَكَ تُبَّعًا ... وَأَهلَكَ لُقمانَ بنَ عادٍ وَعادِيا

أَلا لا أَرى ذا إِمَّةٍ أَصبَحَت بِهِ ... فَتَترُكُهُ الأَيّامُ وَهيَ كَما هِيا

أَلَم تَرَ لِلنُعمانِ كانَ بِنَجوَةٍ ... مِنَ الشَرِّ لَو أَنَّ اِمرَأً كانَ ناجِيا

فنفسُ الشاعرِ كانت مقرَّةً بالموت والفناء وعدم الخلود ولكن هنالك خوفا ينازعه هذا الشعور، وهاجس من احتمال إمكان الخلود وعدمه، وهنالك لوم كان الشاعر عرضة له، وهو يصارع هذا اللوم، ويسوغه لما طرحه من فناء الناس جميعا، فكان الشاعر رافضا لهذا الواقع والصراع النفسي المُرِّ، فيقرر في قصيدته هذه مشهدا معبرا جدا عن هذا الرفض، ومحاولة إقناع المخاطب بأنه ملاقي الفناء لا محالة. وكان هذا المعنى شائعا فقد سبقه إليه طرفة في ما ينسب له من قوله [2] :

(الطويل)

فَكَيفَ يُرَجّي المَرءُ دَهرًا مُخَلَّدًا ... وَأَعمالُهُ عَمّا قَليلٍ تُحاسِبُه

أَلَم تَرَ لُقمانَ بنَ عادٍ تَتابَعَت ... عَلَيهِ النُسورُ ثُمَّ غابَت كَواكِبُه

هلاك العظماء من البشر سببٌ مُلِحٌّ يدعو إلى الاعتقاد بحتمية الفناء، وهذا الشيء كان يؤرق الإنسان على طول الدهر، حتى جاءت الديانات، فأقرت الموت لكنها خففت من حدَّة الخوف منه بأن بيَّنت طبيعة الحياة والموت والغاية من وجود الإنسان على الأرض، فخففت من شيءٍ رَعَبَ الإنسان دهرا طويلا.

توسع استعمال القرآن الكريم لهمزة الاستفهام الداخلة على (لم) فقد أحصيت (125) مئة وخمسة وعشرين موردا لها ضمن استعمالات القرآن لـ (لم) [3] ، مما يعني نسبة (35.9%) أي أكثر من ثلث الاستعمال القرآني لـ (لم) وكانت في تلك المواضع كما قلت تقريرا وإنكارا، منها قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (البقرة: من الآية 33) ، وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: من الآية 106) ، ففي هذه الآيات الكريمات إنكار لفعل معين عن طريق الاستفهام المجازي، ومثل هذا قوله - عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ

(1) - شرح ديوان زهير: 287 - 288.

(2) - ديوان طرفة بن العبد: 148، ديوان طرفة (درية الخطيب) : 146.

(3) - يمكن متابعتها من خلال الرجوع إلى برنامج (نور جامع الأحاديث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت