فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 295

يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (إبراهيم:19) ، لقد تكررت صيغة (ألم تًرً) وحدها واحدة وثلاثين مرَّة [1] ، وفيها دلالة واضحة على المطالبة بإعمال الفكر والتدبر في أدلة إثبات الخالق هذا التكرار في الخطاب القرآني للاستفهام الإنكاري يكشف لنا عن سبب ارتفاع نسبة استعمال (لم) في القرآن الكريم وبقائها مقاربة للنسبة التي كانت عليه عند شعراء المعلقات، فقد استعمل هذا الحرف لرفض الفكر والواقع الذي عاش فيه الناس وما كانوا فيه من تكبر وجحد للخالق العظيم، ونكران لآياته المنتشرة في أنفسهم وفي الآفاق، وإذا كانت الحياة قبل الإسلام تشتمل على واقع فيه ما يجب رفضه، وفيه ما تبحث له الناس آنذاك عن إجابات مقنعة، فقد جاء القرآن بخطاب يلائم ذلك الواقع، فرفض نكرانهم لأدلة وجود الخالق، وأنكر عليهم بعض ما كانوا يعيشون فيه من واقع حياتهم اليومية.

من هنا كانت نسبة استعمال هذا الحرف قريبة جدا مما كانت عليه عند شعراء المعلقات، فالخطاب القرآني موجه إلى المجتمع نفسه الذي كان الشعراء يوجهون إليه خطابهم الشعري، وأن كانت الغاية والأهداف تختلف بين النصيين إلاَّ أن المشكلات كانت متحدة في بعض جوانبها، ومحاولة العلاج موجودة في قسم من الشعر، وموجودة مؤكدة في القرآن العزيز الذي أُنزل لإنقاذ البشر وهدايتهم.

وليس النفي بـ (لم) كله معناه الرفض للواقع أو محاولة إبراز الذات من خلال المعارضة وما شاكل هذا من المعاني، فهناك مقدار من النفي طبيعي الوجود في كل لغة وكل كلام، بل هو ضرورة في الكلام، فهنالك ثنائية بارزة في الوجود هي ثنائية (السلب والإيجاب) أو (الوجود والعدم) ، والحياة تتشكل على أساس هذه الثنائية، فالوجود يعبر عنه في الكلام بالكلام الموجب، أما السلب فيعبر عنه بالسلب أو النفي، ففي قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} (البقرة: من الآية 196) ، وقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (النساء: من الآية 92) ، حددت شريعة السماء حدودا وفرضت على من يتجاوزها غرامات عينية أو مادية والإنسان أما أن يكون مالكا ومستطيعا لدفع هذه الغرامات أو لا، هذه هي الثنائية وقد جاءت الآية في معرض بيان حكم كل الصنفين، وهذا الاستعمال طبيعي للنفي في اللغة، وليست فيه دلالة على الرفض والاعتراض على الواقع، ومثلها قوله تعالى: {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} (البقرة: من الآية 247) ، فالإنسان إما أن يكون صاحب مال أو لا، واستعمال (لم) في الكلام لبيان هذه النقطة وليست لنفي فعل معين يقول به شخص ما.

وقد كان هذا الاستعمال موجودا في أشعار أصحاب المعلقات على نحوٍ طبيعي وكان منسجما مع طبيعة التعبير عن التجربة الشعرية لكل منهم ومنه قول امرئ القيس [2] :

(الطويل)

فَتوضِحَ فَالمِقراةِ لَم يَعفُ رَسمُها ... لِما نَسَجَتها مِن جَنوبٍ وَشَمأَل

(1) - البقرة:243، 246، 258، آل عمران: 23، النساء: 44، 49، 51، 60، 77، إبراهيم:19، 24، 28، مريم:83، الحج:18،63، 65، النور: 41، 43، الفرقان:45، الشعراء: 225، لقمان: 29، 31، فاطر: 27، الزمر:21، غافر:69، المجادلة:8،7، 14، الحشر:11، الفجر:6، الفيل:1.

(2) - ديوان امرئ القيس:8، وينظر معه: شرح القصائد التسع المشهورات:1\ 100، شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت