(من) لفظ مشترك، له معنيان مركزيان (التبعيض والابتداء) ، ويبدو أنَّ كثيرا من اللغويين لم يتنبهوا لهذا، في حين صرَّح به ابن جني وتنبَّه له [1] ، سوى هذين المعنيين المركزيين هنالك عددٌ من المعاني الهامشية التي رافقت هذين المعنيين، وكان استشهاد كتب (معاني الحروف) يقتصر تقريبا على الأمثلة القرآنية، ولم تذكر إلاَّ أربعة أمثلة شعرية واحد منها فقط كان لامرئ القيس [2] ، وقد يعطي هذا انطباعا عن قلَّة استعمال تلك المعاني عند الشعراء، لكنَّ هذا الانطباع قد يكون متسرعا وغير دقيق، إذ استعملَ الشعراءُ هذه المعاني بكثرةٍ، أمَّا المعنيان المركزيان فاستعمالهما من الكثرة بما يغني عن الحاجة إلى الاستشهاد لهما وتكفي نظرة عابرة إلى أيٍّ من الدواوين لتثبت هذا [3] ، وأمَّا المعاني الهامشية فهي أيضًا ليست قليلة الاستعمال فمعنى بيان الجنس الذي يرافق معنى التبعيض قد مثَّلوا له بقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} (البقرة من الآية:106) ، وقالوا: إن (من) كثيرا ما تقع بهذا المعنى بعد (ما ومهما) لشدَّة إبهامهما، وقد اعتاد الشعراء استعمال هذا المعنى [4] ، ومنه قول زهير [5] :
(الطويل)
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ ... وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَم
ومعنى التعليل الهامشي الذي يرافق معنى ابتداء الغاية كان من المعاني التي استشهدوا لها بقول امرئ القيس [6] :
(المتقارب)
وَذَلِكَ مِن نَبَإٍ جاءَني ... وَ أُنبئْتهُ عَن أَبي الأَسوَد
ما يعانيه الشاعر من السهر والألم كان بسبب النبأ الذي جاءه فـ (من) حملت معنى التعليل والسببية فضلا عن كونها بداية السهر ومصدره.
معنى البدليَّة قد يرافق معنى التبعيض، كما في قول زهير [7] :
(الوافر)
تَحَمَّلَ أَهلُهُ مِنهُ فَبانوا ... وَفي عَرَصاتِهِ مِنهُم رُسومُ
الرسوم التي بقيت في العرصات هي بديل من أهل الحي بعد أن بانوا عنه ومعنى الابتداء المركزي ما زال جزء منه محفوظا في المعنى فهم مصدر تلك الرسوم التي بقيت بعدهم.
وقد تحوي (من) الابتدائية معنى (إلى) فضلا عن معناها المركزي، ولم يستشهد النحاة لهذا المعنى بقول بليغ من كلام العرب، في حين نجدُ خيرَ مثالٍ لها قولَ لبيدٍ [8] :
(الوافر)
(1) - ظ: الخصائص: 3\ 110 - 111، وينظر معه: الفصل الثاني: 110.
(2) - ظ: حروف المعاني:50،76،82، معاني الحروف:97 - 98، رسالتان في اللغة:49، أسرا العربية:233، اللباب في علل البناء والإعراب:1\ 353، البيان في شرح اللمع:147 - 148، شرح ألفية ابن مالك:141، رصف المباني:322 - 325، الجنى الداني:314 - 323، مغني اللبيب:419 - 431، أوضح المسالك:3\ 21 - 28، دراسات لأسلوب القرآن الكريم:3\ 323 - 366.
(3) - ظ: ديوان طرفة بن العبد: 157، ديوان طرفة (درية الخطيب) : 178، ديوان الحارث بن حلزة: 14، شرح ديوان زهير: 281، شرح ديوان لبيد: 35، 170.
(4) - ظ: ديوان الحارث بن حلزة:13،14،21، ديوان طرفة بن العبد:31، ديوان طرفة (درية الخطيب) :49، شرح ديوان زهير:32، شرح ديوان لبيد:7،105.
(5) - شرح ديوان زهير: 32، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:289.
(6) - ديوان امرئ القيس: 185.
(7) - شرح ديوان زهير:208.
(8) - شرح ديوان لبيد: 75.