فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 295

وَهَل يَشتاقُ مِثلُكَ مِن دِيارٍ ... دَوارِسَ بَينَ تُختِمَ وَالخِلال

فالشوق إلى الديارِ، والديارُ مبدأُ صدورِ الشوقِ.

وكذا معنى (عن) قد يرافق (من) الابتدائية كما في قول الحارث بن حلزة [1] :

(الخفيف)

ثُمَّ فاءَوا مِنهُم بِقاصِمَةِ الـ ... (مـ) ... ـظَّهرِ وَلا يبردُ الغَليلَ الماءُ

وكذا في قول زهير [2] :

(البسيط)

مُحَسَّدونَ عَلى ما كانَ مِن نِعَمٍ ... لا يَنزِعُ اللَهُ مِنهُم ما لَهُ حُسِدوا

فالنزع يكون عنهم لأنه إبعاد الشيء عن الجسد، لكنه استعمل هنا من للدلالة على معناها المركزي وهو الابتداء مصحوبا بالمعنى المجاوزة والبعد الهامشي.

ومن معاني (من) الهامشية التي ذكرت موافقتها لـ (عند) ، وذكر له من القرآن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا} (آل عمران: من الآية:10) ، أي لن تغني عند الله تعالى، وقيل هي هنا بدليَّة [3] ، ويمكن أن نتلمس مثل هذا المعنى الهامشي في قول الحارث [4] :

(الخفيف)

فَتَنَوَّرتُ نارَها مِن بَعيدٍ ... بِخَزارٍ هَيهاتَ مِنكَ الصلاءُ

أي هيهات عندكِ الصلاءُ؛ لأنها بَعُدَتْ عنه، ولم يعد بالإمكان أن يصطلي عندها، وإن كانت هي ونارها مبدأ ذلك الدفء.

كثُرَتْ المعاني الهامشية التي حملتها (من) الابتدائية مع معناها المركزي فمعنى الظرفية قد ذكروا له مثلا قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} (الجمعة من الآية: 9) [5] ، نجد له مثيلا في قول زهير [6] :

(الطويل)

فَأَنقَذَها مِن غَمرَةِ المَوتِ أَنَّها ... رَأَت أَنَّها إِن تَنظُرِ النَبلَ تُقصَد

وقت الإنقاذ كان وقتَ أنْ عَلتهَا غَمرَةُ الموتِ لكن بداية الإنقاذ كانت غمرة الموت أيضا فهنا تداخل المعنى البداية والظرفية، وهذا الاستعمال البلاغي استعمال مقصود في اللغة ولو كان الشاعر استعمل (في) لفوَّت عليه جزءا من المعنى الابتداء.

واستعملت (من) وقد أعطت معنى (الباء) في قوله تعالى: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} (الشورى من الآية:45) ، وقد فصَّلت القول فيما تقدَّم، وعرفَ الشعرُ مثلَ هذا، قال امرؤ القيس [7] :

(1) - ديوان الحارث بن حلزة:14، ومثله صفحة: 16 البيت رقم:84.

(2) - شرح ديوان زهير: 282.

(3) - ظ: مغني اللبيب: 424.

(4) - ديوان الحارث بن حلزة:14، ومثله صفحة: 16 البيت رقم:84.

(5) - ظ: التبيان في إعراب القران: 2\ 128، شرح الرضي على الكافية: 2\ 298، البرهان: 4\ 420، دراسات لأسلوب القران الكريم: 3\ 418.

(6) - شرح ديوان زهير: 229.

(7) - ديوان امرئ القيس: 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت