فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 295

(السريع)

قَد قَرَّتِ العَينانِ مِن مالِكٍ ... وَمِن بَني عَمروٍ وَمِن كاهِل

فالعينان قد قرَّت بمالك وفعاله وببني عمرو وكاهل، ومنهم كان ذلك القرار، فهم سببه وآلته ومبدؤه، اجتماع المعاني بهذا الشكل لا يمكن أن يؤدَّى إلاَّ من خلال اجتماع المعاني الهامشية مع المعنى المركزي للحرف.

وكذا قيل إن (من) تأتي بمعنى (على) في نحو قوله - عز وجل: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} (الأنبياء من الآية:77) ، أي عليهم، فالنصر من القوم الظالمين، وفيه علوٌّ وارتفاعٌ فوقهم، ويبدو أن لامرئ القيس بيتا يُحَمِّلُ (من) فيه معنى الاستعلاء زيادةً على معناها المركزي، وذلك قوله [1] :

(الطويل)

أَقَبَّ كَسرحانِ الغَضى مُتَمَطِّرٍ ... تَرى الماءَ مِن أَعطافِهِ قَد تَحَدَّرا

يصف فرسه بأنه أقبٌّ أي ضامر كذئب الغضى [2] ، ومُتَمَطِّر أي سابق، يقال جاءت الخيل متمطِّرة أي يسبق بعضها بعضا، والماء يريد به العرق الذي أخذ يجرى من أعطافه وهما منكباه [3] ، وهذا الجريان يكون فوق المنكبين نزولا منهما، فمعنى الفوقية والاستعلاء على المنكبين موجودٌ بكل حال، بل لا يفارق المعنى الرئيس، إذ المنكبان هما مصدر فَرْز العرق، فمنهما يجري، وعليهما يسيل.

أما معنى التوكيد عندما تكون زائدة فقد فصًّل القول في هذا المبحث باحثٌ معاصرٌ بما لا يستوجب الزيادة قائلا في نهاية مبحثه القيِّم: (( تطرد دلالة(من) في المواضع التي زعم الأخفش وغيره ورودها زائدة، على معنى التبعيض، وهو من المعاني الأصليَّة لـ (من) بإتقان النحاة والمفسرين واللغويين، وترد (من) ابتدائية في مَواضعَ أُخرى، ... ، ويصح أن تفيد (من) توكيد العبارة، ولا يصحُّ القول بزيادتها، أيَّا كان القصدُ من هذه الكلمة. )) [4] ، قوله هذا يتفق مع ما أراه في نظرية المعني المركزي والمعاني الهامشية، فقد حدد المعنيين المركزيين ولحظ اطراد دلالة (من) في تلك المواضع على التبعيض، وعليه أقول إن (من) التبعيضيَّة تحمل معنى التوكيد هامشيا أكثر من الابتدائية التي قد تأتي به أيضا، ومعنى التوكيد يبقى معنى هامشيا يأتي بفعل العوامل التي يوفرها السياق.

لقد كانت (من) من الحروف الكثيرة الاستعمال في القرآن الكريم وفي دواوين أصحاب المعلقات، وكانت على قسمين، أعني عندنا حرفين (من) التبعيضيَّة و (من) الابتدائية، وتأتي كل واحد منهما في سياقات خاصَّة تحمل فيها مع معناها المركزي معاني أخر قد أشرت إلى أكثرها، وكانت تلك المعاني معروفة في الاستعمال الشعري قبل نزول القرآن الكريم، لكنَّ فضل الكشف عنها يعود للنص القرآني، وما حفَّ به من دراسات لغوية ودلاليَّة، واستعمال المعنى قبل القرآن، لم يمنعه من أن يتفرَّد بصورٍ خاصَّة في استعمال كلِّ حرف سواءً في دلالته

(1) - ديوان امرئ القيس: 120.

(2) - الغَضَى: نوع من الشَجَر، ويقال: ذِئبُ غَضىً نسبة إلى هذا الشجر. والغَضَى: من نَباتِ الرمل له هَدَب كهَدَبِ الأَرْطَى، قال ابن سيده (( وقال ثعلب يُكْتَبُ بالأَلِفِ ولا أَدْرِي لمَ ذلك، واحِدتُه غَضاةٌ، ... ، وأَهلُ الغَضَى: أَهلُ نَجْدٍ لكَثْرَتِه هنالك، .. ، عن ثعلب: والعرب تقول: أَخْبثُ الذِّئابِ ذِئبُ الغَضَى، وإِنما صار كذا لأَنه لا يُباشِرُ الناس إِلا إذا أَراد أَن يُغيرَ، ... ، وذِئابُ الغَضَى: بنُو كعبِ بنِ مالكِ بن حَنْظَلة، شُبِّهُوا بتلك الذئابِ لخُبْثِها. ) )ينظر: لسان العرب: مادة (غضا) : 4\ 431.

(3) - ظ: شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 197.

(4) - معجم الجملة القرآنية \ القسم الأول: الحروف الزائدة في ضوء الدراسات القرآنية: 131، وينظر معه: كتاب: 2\ 307، المقتضب: 1\ 45، 4\ 137، 421، الإنصاف في مسائل الخلاف: 1\ 377، شرح جمل الزجاجي: 1\ 485، البرهان: 4\ 421، دراسات لأسلوب القرآن الكريم: 409 - 4138، التراكيب اللغوية في العربية:143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت