في القرآن الكريم كان المُنادَى الأول فيه هم (المؤمنون) ؛ إذ تكرر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} (89) تسعا وثمانين مرَّة [1] ، وجاءت لفظ (عبادي) بدلا من (أي) مرتين، في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} (الزمر: من الآية 10) ، وفي قوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (العنكبوت:56) ، ليكون مجموع النداء الموجه للمؤمنين مباشرة (91) واحدةً وتسعين مرَّة، وفي هذا النداء للمؤمنين ما يبعث الطمأنينة في نفوسهم، والإقبال على طاعة الخالق العظيم الذي يلطف بهم في خطابهم، فيخاطبهم بلا وساطة بينهم وبينه، وإن كان في مقام تبليغ الرسالة جعل الرسول واسطة بينه وبين الخلق، لكنه في مثل هذا النداء يرفع الوساطة ويكلمهم مباشرة، وفي هذا شرف كبير للمؤمنين المخاطبين بها [2] .
وجاء من النداء ما وجه إلى الناس كلهم كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} التي تكررت في القرآن الكريم (20) عشرين مرَّة [3] ، ويضاف إليها قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ} التي تكررت خمس مرات، ولما كان القرآن الكريم كتاب الله المنزل إلى عباده كافة كان من الطبيعي أن يكون الإنسان محورا من محاور الحديث الرئيسة فيه؛ بغية إصلاحه وهدايته. بل أبعد من هذا ما نجده من نداء عام إلى معشر الجن والإنس، وقد تكرر هذا في موضعين أحدهما قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} (الأنعام: من الآية 130) ، فقد راعى كتاب الله في خطابه الموجودات كلها في خطاب منظم ودقيق.
وقد يكون النداء موجها إلى النبي مباشرة كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} (الأنفال: من الآية 65) ، وقد تكرر مثل هذا النداء (13) ثلاث عشرة مرّة [4] ، جاء مناداته بوصفه رسولا مرتين [5] ، منها قوله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (المائدة: من الآية 67) ، ونودي - عليه السلام - بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} (المزَّمِّل:1) مرَّة واحدة وبقوله - عز وجل: {ياأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} (المدَّثر:1) مرَّة واحدة أيضًا، ليكون مجموع نداء الله تعالى المباشر للنبي خمس عشرة مرَّة، في حين نودي موسى - عليه السلام - مباشرة أحدى عشر مرَّة. لكن النداء الموجه إلى حضرة النبي (، قد يكون المراد به أمته كلها وإنما خوطب به تشريفا له؛ إذ هو سيد الخلق وأشرفهم
(1) - لقد اشتبه الفخر الرازي في عدِّ هذه المواضع فقال: (( اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} في ثمانية وثمانين موضعًا من القرآن. ) ) (مفاتيح الغيب: 3\ 634) ، وكذلك اشتبه صاحب الميزان فقال إنها وردت في نحو (85) موضع، (الميزان في تفسير القرآن:1\ 245) ، ولقد اشتبه أصحاب (معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم) ، فذكرا في الصفحة (665) : أنها تكررت (90) مرَّة وذكرا من مواردها الآية رقم: 47 من سورة النساء، في حين إن هذه الآية تخلوا من ذكرها، والحقيقة أن {يا أيها الذين آمنوا} تكررت في القرآن الكريم (89) مرَّة وهذا ما وجدته من خلال تتبعي الدقيق في إحصائيات المصحف مستعينا بأحدث البرامج الإلكترونية.
(2) - ظ: مفاتيح الغيب: 3\ 634، الميزان: 1\ 247.
(3) - ظ: البقرة: 21، 168، النساء:1، 170، 174، الأعراف:158، يونس:23، 57، 104، 108، الحج:1، 5،49، 73، النمل:16، لقمان:33، فاطر:3، 5، 15، الحجرات:13.
(4) - ظ: الأنفال:64، 65، 70، التوبة:73، الأحزاب:1، 28، 45، 50، الممتحنة:12، الطلاق:1، التحريم:1، 9.
(5) - ظ: المائدة:41، 67. .