فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 295

فَيا رَبِّ لا تَجعَل حَياتي مَذَمَّةً ... وَلا مَوتَتي بَينَ النِساءِ النَوائِح

ونادى لبيد الخالق مرَّة واحدة في أشعاره قائلا [1] :

(الرجز)

أَنامَ أَم يَسمَعُ رَبُّ القُبَّه ... يا أَوهَبَ الناسِ لِعَنسٍ صُلبَه

وتفرَّد لبيد بمناداة النبي محمد (مرَّة بقوله [2] :

(الطويل)

أَتَيناكَ يا خَيرَ البَرِيَّةِ كُلِّها ... لِتَرحَمَنا مِمّا لَقينا مِنَ الأَزل

وفي القرآن الكريم حُكِيَ لنا النداء عن النبي محمد (، والمُنادَى فيه الله عزَّ شأنه في موضعين، وذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان:30) ، وقوله - عز وجل: {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ} (الزخرف:88) ، هذا على أن هنالك نداءات أخرى كان المُنَادَى فيها الخالق المدبر عزَّّّ ذكره، لكنها كانت على تقدير حرف النداء المحذوف فلم نضعها في قائمة استعمالات (يا) في القرآن التي اقتصرت على ما ذكر فيه حرف النداء، من أمثلة تلك المواضع قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} (آل عمران: من الآية 38) ، وقوله: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} (يوسف: من الآية 29) ، وقد يكون في ما تقدم إشارة إلى منزلة النبي الأكرم محمد (، الذي اختص من بين سائر الخلق أجمعين بالنداء المباشر بينه وبين ربِّ العزة بحرف النداء.

تميز شعر عنترة الذي حوى نسبة عالية جدا من الجمل الندائية بأن المنادى الأول في أشعاره هي حبيبته (عبلة) ، التي ذكرت مع حرف النداء (يا) (59) تسعا وخمسين مرَّة، وكنى عنها في (22) اثنين وعشرين موضعا كقوله: (يا بنت السراة، يا ظلوم، يا ابنة مالك، يا ابنة العم، يا ابنة السادات، يا ابنة الكرام، يا ابنة العبسيَّ، يا بدر التمام، يا أخت المها) [3] ، ولم يكتف بذلك بل نادى (دار عبلة) في ثلاثة مواضع، لتبلغ نسبة نداء عنترة لحبيبته عبلة (50%) من مجموع استعمالاته للنداء، أي نصف النداءات في ديوان شعره، إن حياة البعد والغربة التي كان يعيش فيها عنترة حتمت عليه ترك الحمى، وترك ديار القبيلة والعيش في الصحراء، هذا البعد المستمر، والخوف من عدم اللقاء إذا ما حل بهم الموت أو القتل زاد من الشوق إلى الأهل والحبيبة وأشعل نار الوجد في قلب الشاعر، ولم يكن أمامه لتسلية همه وإطفاء نار شوقه إلاَّ النداء المستمر لحبيبته، ولعلَّ هذا البعد والعزلة عن الأهل هو السبب الرئيس لكثرة النداء في ديوان عنترة، فهو بين ندائه لحبيبته عبلة وندائه لأعدائه ليوصل لهم تهديده ووعيده، وبين ندائه لأبناء قبيلته مخبرا إياهم بمآثره وبلائه في الحروب وشجاعته. وهكذا بقي عنترة في نداء دائم مع المجتمع الذي يحيط به ويبعد عنه، ليشعرهم بوجوده ويثبت لهم ذاته. هذه الخصوصية جعلت شعره متفردا في استعماله الكثير للنداء.

(1) - شرح ديوان لبيد:402.

(2) - المصدر نفسه:277.

(3) - تنظر استعمالات عنترة للنداء من خلال برنامج الموسوعة الشعرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت