وكذا معنى المصاحبة كان مألوفا عندهم فقد استعمله الشعراء [1] ، نحو قول زهير [2] :
(البسيط)
يَطلُبُ شَأوَ اِمرِأَينِ قَدَّما حَسَنًا ... نالا المُلوكَ وَبَذّا هَذِهِ السُوَقا
هُوَ الجَوادُ فَإِن يَلحَق بِشَأوِهِما ... عَلى تَكاليفِهِ فَمِثلُهُ لَحِقا
أَو يَسبِقاهُ عَلى ما كانَ مِن مَهَلٍ ... فَمِثلُ ما قَدَّما مِن صالِحٍ سَبَقا
يمدح زهير هنا هرما بأنَّه يريد سَبْقَ أبويه بما قدَّماه، فإن يلحق بهما مع تكاليفه أي شدته فمثله أهلٌ للحاق بسلفه، وإن يسبقاه مع ما كان من مهل أي تقدُّم فهو معذورٌ لأنهما تقدَّما في الشرف عليه أي السبق. معنى (على) في البيتين يحمل دلالة هامشية فضلا عن معناه المركزي تلك هي دلالته على المصاحبة، ومعنى المصاحبة أبرز من المعنى المركزي في البيتين.
ومن المعاني الهامشية لـ (على) المجاوزة وهو معنى (عن) وقد استعمل على قلَّة عند الشعراء، ومنه قول عمرو بن كلثوم [3] :
(الوافر)
لِيَجزِ اللَّهُ مِن جُشَمَ بنِ بَكرٍ ... فَوارِسَ نَجدَةٍ خَيرَ الجَزاءِ
بِما حَامَوا عَلَيَّ غَداةَ دارَت ... بِوادي الأَخرَمَينِ رَحى صُداء
وهؤلاء الفوارس قد حاموا عنه، وفي فعلهم هذا أصبحوا فوقه ومستعلين عليه، فاستعمل الشاعر (على) لتفيد معنى المجاوزة مع معناها المركزي.
وقد يأتي معنى الباء مع معنى (على) المركزي، كما في قول امرئ القيس [4] :
(الطويل)
وَتَحسِبُ سَلمى لا نَزالُ كَعَهدِنا ... بِوادي الخُزامى أَو عَلى رَسِ أَوعال
أي تحسب سلمى أننا لا نزال على عهدنا بوادي الخزامى أو بـ (رَسِ أوعال) ، وهما منطقتان كان الشاعر يلتقي بهما حبيبته، وتأثير السياق هنا واضحٌ، فقد أدخلَ الباءَ على الاسم الأول، وجعل الاسم الثاني مع (على) ليضيف معنى الاستعلاء المستفاد منها إلى معنى البيت، فكأنَّه استبطن الوادي لأن الوادي منخفض من الأرض، واعتلى هو وحبيبته (رَسِ أوعال) ، ومنه أيضًا قول عنترة [5] :
(الطويل)
إِذا ما لَقيتُ المَوتَ عَمَّمتُ رَأسَهُ ... بِسَيفٍ عَلى شُربِ الدِما يَتَجَوهَرُ
سيفُ عنترة إنما يزداد بياضا وصلابة بشرب الدماء، وهذا السيف مستعلٍ على الدماء ومسيطر عليها.
(1) - ظ: ديوان طرفة بن العبد:138، شرح ديوان زهير:45، 51، 288،364، شرح ديوان لبيد: 63، 159.
(2) - شرح ديوان زهير:51.
(3) - عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره:132، ومثله قوله في صفحة 133: أَلا فَاِعلَم أَبَيتَ اللَعنَ أَنّا ... عَلى عَمدٍ سَنَأتي ما نُريدُ
(4) - ديوان امرئ القيس: 28.
(5) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 98، وينظر معه: أشعار عنترة العبسي: 242.