معنى (على) المركزي الاستعلاء، وهو معنى كثير الورود في النصين المدروسين، وقد يصاحبه أحد معنيين هامشيين كثيرا ما يرافقانه هما: الظرفية والمصاحبة؛ ذلك لأنَّّ الشيء لابد أن يكون في ظرف يحتويه في هذا الوجود، والحَدَثُ كذلك له ظرفٌ يقعُ فيه زمانيا أو مكانيا، وفي كلا الحالين معنى الظرفية محفوظٌ، أما معنى الاستعلاء ففيه عملية قياسُ شيءٍ إلى آخرَ، فيكون أحدهما أعلى من الآخر أي فوقه، وليست عملية القياس مطلوبة دائما؛ من هنا كان استعمال الحرف (في) في النصيين أعلى من هذا الحرف، ومعنى المصاحبة فيه عملية قياس أيضا إلى شيء آخر، فقد يكون الحدث أو الذات يَصحَبُ ذاتا أخرى، أو حدثا آخر، وقد لا يكون. وقد يتطلب المقام الإشارة إلى هذه الناحية من المعنى، وهذه الناحية أقل استعمالا من الظرفية، أو معنى الاستعلاء؛ لذا كان معنى الظرفية يصاحب معنى الاستعلاء في كثير من أبيات الشعراء، منها قول طرفة [1] :
(الطويل)
فَما لي أَراني وَاِبنَ عَمِّيَ مالِكًا ... مَتى أَدنُ مِنهُ يَنأَ عَنّي وَيَبعُدِ
يَلومُ وَما أَدري عَلامَ يَلومُني ... كَما لامَني في الحَيِّ قُرطُ بنُ مَعبَدِ
وَأَيأَسَني مِن كُلِّ خَيرٍ طَلَبتُهُ ... كَأَنّا وَضَعناهُ على رَمسِ مُلحَدِ
عَلى غَيرِ ذَنبٍ قُلتُهُ غَيرَ أَنَّني ... نَشَدتُ فَلَم أُغفِل حَمولَةَ مَعبَد
يريد في البيت الثالث أنَّه يئس من كل خير يرجى منه، كأنَّه قد مات ودفنه والرمس القبر، واللحد الشق في جانبه، قال شارح الديوان: (( وقوله على رمس أراد وضعناه في رمس، و(على) تبدل من (في) كثيرا. )) [2] ، وإذا كان شارح الديوان من أنصار نظرية تناوب الحروف، فإني لا أخرِّجه على معنى التناوب، بل على أنَّ الظرفية معنى هامشيٍّ أضيف للحرف بجنب معناه المركزي، فهو لم يستعمل (في) هنا لأنَّه لا يريد أنَّ صاحبه قد مات فعلا ووضع في القبر، وأصبح القبر ظرفا له، بل ما يزال صاحبه فوق على شفيره، ولم ينزل بعد، وكأني أستشعر من هذا أنَّ له فيه بصيص أمل ورجاء، ولو كان قطع الأمل والرجاء البتة لقال (في رمس) ، ومصاحبة معنى الظرفية لمعنى (على) المركزي مستعمل عند كثير من الشعراء [3] ، واستعمال القرآن لمثله لم يكن غربيا على مسامع العرب، فقد ألفته نفوسهم وإن لم يَتَنبَّهوا له إلاَّ بعد حين. أما في البيت الثاني فقد اقتضى السياق أن يصاحب معنى التعليل معنى (على) المركزي، أي ما أدري لِمَ يلومني؟ أوصلت (على) إلينا معنى التعليل مع معنى الاستعلاء، كأن اللوم كان فيه استعلاء من ابن عمه تجاهه، وهو يسأل عن اللوم والاستعلاء. وقد ورد أمثال هذا البيت في مواضع أخر [4] ، وجاء به القرآن كما ذكرت فيما تقدم، أما في البيت الرابع فقد حَمَلَتْ (على) معنى (من) ، فذلك اللوم الذي عرِّضَ له كان من غير ذنبٍ صدرَ عن الشاعر ليكون مبتدأ اللوم وسببا له، أرى أن المعاني الهامشية تتعاضد في هذه القطعة فيما بينها لتوصل لنا صورة كاملة أراد الشاعر إيصالها بما فيها من تشابك في العلاقات بين ابن عمه وتعاليه عليه وانقطاع رجائه منه واستغرابه لصدور اللوم من غير سبب، هذه المعاني كان العربيّ يفهمها ويعيها بدقَّة، لكنه قد لا يكون وقت نزول القرآن وقبله في ظرف يسمح له باكتشاف طاقات اللغة، ومكامن القوَّة في التعبير الفني البلاغي، وما يميزه من غيره من أنماط التعبير المستعمل في كل لغة.
(1) - ديوان طرفة بن العبد:32 - 33، ديوان طرفة (درية الخطيب) :49 - 50.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - ظ: ديوان طرفة بن العبد:36،:43،101، 119، 152، شرح ديوان زهير: 16، 322، شرح ديوان لبيد: 69، 71، 172، 217، 245، 246.
(4) - ظ: ديوان طرفة بن العبد:41، شرح ديوان زهير: 368، شرح ديوان لبيد: 349.