فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 295

ثم إن اللغة كائنٌ حيٌّ، تولد وتنشأ وتنمو وتتطور، وقد تمرض، وتهرم وتموت [1] . تخضع في ذلك لنواميس طبيعية تتعلق بحياة متكلِّميها، وطبيعة مجتمعهم، وحال نموه وتقدمه، أو تأخره وتراجعه.

ولدت اللغة العربية في عمق الصحراء، وعلى رمالها وبين قبائلها ترعرعت، وامتدت جذورها بعيدًا في أعماق الزمن، ولكن جزيرة العرب اتسمت بسعتها، وتباعد أطرافها، وتعدد قبائلها، ولم تكن أسباب التواصل بين هذه القبائل يسيرةً إلى حدٍّ ما، فكانت أكثر القبائل منعزلة بعضها عن بعض في بطون الصحراء، ولا تكاد تغادر مواطنها إلا في ظروفٍ خاصَّةٍ، فكانت لكل قبيلة سمات لغوية محلية، يمكن تسميتها لهجة تلك القبيلة، قد تشارك بها قبيلة أُخرى، وقد تتفرد بها، ولم يكن أبناء القبائل العوام يدركون هذه السمات، وإنما هم ينطقون بها على وفق السليقة التي فطروا عليها. إن لهجة كل قبيلة كيان لغوي، لكن يصعب بل قد يتعذَّر تحديد حدوده وفصله من بين لهجات القبائل الأخرى [2] .

وفي مناطق أخرى من الجزيرة مثل (مكة) كان الحال مختلفًا تمامًا، فقد امتلكت أُم القرى مقوماتٍ دينية، واقتصادية، وسياسية ما جعلتها محطًَّا لقوافل القبائل العربية جميعًا، تجتمع فيها وتتفاخر وتنشد و تمتار وتمارس نشاطاتٍ متعددة في أوقات مختلفة من السنة [3] .

هذا التفاعل والتقارب بين القبائل في بقعة معينة ولَّد نواةً للغة مشتركة تتميز بخصائص معينةٍ مكَّنت الجميع من تقبلها واستعمالها لغة ً معبرة ً عن المشاعر والأفكار دقيقة ً أمينة ً في ذلك، وحالها في هذا حال اللغات الأخرى ففي (( كلِّ بلاد العالم لابدَّ للغة المشتركة من مكان متميز تنشأ فيه، وأسباب وظروف معينةٍ تساعد على تكوينها وازدهارها. ) ) [4] ، وهذا ما نفهمه من إشارة ابن فارس إلى أن قريش مع فصاحتها، وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها، كانت تقود حملة التوحيد بين لغات القبائل العربية [5] ، لإنتاج اللغة العربية الفصحى أو المشتركة، فاللغات المشتركة تقوم دائمًا (( على أساس لغة موجودة، حيث تتخذ هذه اللغة الموجودة لغة مشتركة من جانب أفرادٍ مختلفي التكلم. ) ) [6] ، ولا يعني ما سبق أن تلك الحملة كانت منظمة وعلى وعيٍ وشعور، بل هي عملية ٌ لا شعورية ٌ، و إحساس ٌ لا واع ٍ، تنتجه طبيعة الاختلاط، يقود المتكلمين إلى اختيار مقومات هذه اللغة الفصحى، ويفرض عليهم حسَّها وروحها التي ينبغي أن تكون عليها لتصبح أداة فاعلة توصل إلى أهدافها المتوخاة. ولما كان هذا الاختلاط حاصلًا بين طبقةٍ خاصَّة من أبناء القوم - الشعراء والخطباء والحكماء والتجار- فمن البديهي أن تكون لغتهم خاصَّة أيضا، تسمو في تعبيرها إلى مستوىً أرفع من مستوى التخاطب اليومي والعامي.

وخلاصة القول أن الفصحى كانت اللغة الأدبية المشتركة وهي حصيلة ُ انتقاء جمعي لا واع من اللغات (اللهجات) المحلية للقبائل المختلفة، وكانت لغة دائرة على ألسنة الخاصَّة من القوم؛ وعند هذا بقيت لغات القبائل المحليَّة حبيسة ً في أماكنها- حتى حين- وكان ممثلو القبائل حينما يفدون على مواطن اجتماع العرب يتجاهلون الخصائص المحلية للغات قبائلهم، ويعمدون إلى اللغة المشتركة - وهذه سنة متبعة إلى اليوم وفي المجتمعات أجمع- ولهذا السبب كان الشعر الذي (( ازدهر في القرن السادس الميلادي في كلِّ وسط الجزيرة العربية وشماليّها، حتى أسفل الفرات، وما وراء ذلك، هذا الشعر يستخدم لغة موحَّدة. ) ) [7] ، و (( لا نكاد نرى في

(1) - ظ: اللغة والمجتمع: 109،195 - 198، النقد اللغوي عند العرب: 350.

(2) - ظ: اللغة: 326 - 327.

(3) - ظ: مستقبل اللغة العربية:7، لغة الشعر في هاشميات الكميت: 2.

(4) - فصول في فقه العربية:78.

(5) - ظ: الصاحبي في فقه اللغة: 52 - 53، مجالس ثعلب:1\ 80 - 81، الاقتراح:56 - 57، 198، المزهر:1\ 209 - 210.

(6) - اللغة:328.

(7) - اللغات الساميَّة:74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت