فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 295

شعر شعراء القبائل المختلفة من السمات اللهجية البيئيَّة شيئا. )) [1] ، وهذا السبب نفسه جعل قسما ً من الباحثين والمستشرقين ينكر وجود تلك الحدود الفاصلة بين اللهجات والفصحى لاختفائها في أشعار القبائل العربية [2] ، على حين (( إنَّ خاصيَّة اللغة المشتركة الأساسية أنها لغة وسطى تقوم بين لغات أُولئك الذين يتكلمونها جميعًا. ) ) [3] .

ولا يعني ما سبق أن اللغة العربية الفصحى قضت على تلك السمات اللهجية للقبائل، إذ كانت لغة الصفوة من المتكلمين، ولم يتكلمها عامَّة الناس وسوادهم في شبه الجزيرة العربية، بل إن في لغة القرشيين أنفسهم خصائص كانوا يتخلون عنها عندما يتكلمون الفصحى [4] ، وهكذا يتبين أن (( اللغة العربية المشتركة تتصف بأنها لغة فوق مستوى العامَّة من العرب، وأنها لغة الآثار الأدبية، وأنها لغة منسجمةٌ موحَّدةٌ خالية من الخواصِّ المحليَّة، ولذلك لا يصحُّ أن نقول عنها إنها لغة سليقة لكل العرب. ) ) [5] ولعلَّ أدلَّ شيءٍ على هذا (( إنَّ صاحب اللغة الذي يتكلمها بالسليقة يستحيل عليه الخطأ في ظواهر تلك اللغة، دون أن يدرك أنه أخطأ، فالإنجليزي لا يخطئ في كلامه إلا إذا قسنا كلامه بمستوى لغوي آخر فوق كلام الناس، ونحن في كلامنا بالعاميَّة لا نخطئ، ... ، ولا يُتصور وقوع اللحن من صاحب السليقة اللغوية في أيَّة ظاهرة من ظواهر لغته في تركيب أصواتها، أو في ترتيب الكلمات بجملها أو في صيغها، أو في طريقة النفي والإثبات، ... ، ونحو ذلك. ) ) [6] ، وهذا الكلام وإن كنت أرى فيه شيئا من المغالاة؛ إذ قد يخطئ ابن البيئة اللغوية وإن كان يتكلمها سليقة، إن فيه دليلا واضحا على أن لغة العرب الفصحى لم تكن لغة سليقة للقبائل العربية كلها.

نعم لم تكن اللغة العربية الفصحى لهجة قريش أو لغة قريش، وإن كان لها النصيب الأكبر في تكوينها، فهي الأساس الأوَّل والركن المتين الذي قامت عليه هذه اللغة. لكنها في الوقت نفسه اعتمدت في اكتمالها على اختيار بعض الصفات الطيبة من اللهجات العربية المختلفة، فهي مزيج منسجم من خصائص اللهجات كلها، فلا تستطيع قبيلة أن تدعيها لنفسها [7] ، وما تسميتها بلغة قريش إلاَّ من باب التغليب، أو من باب تسمية الشيء باسم محلَّه ومكانه.

وبعد استقرار هذه اللغة واستوائها وامتلاكها قدرة عالية على التعبير، نزل القرآن بها ليزيدهم بها استمساكًا، وحولها التفافًا، وأخذت تتسم بالقدسية، ومثَّل القرآن الكريم النموذج الأدبي الأرقى في دنيا اللغة العربية، فتوارت بعده اللهجات المتطرفة والمذمومة كلُّها من الاستعمال العامِّ [8] ، وكان تحديه لخاصة العرب وبلغائهم أن يأتوا بمثله، أو بآية من مثله أدعى إلى تثبيت تلك الوحدة اللغوية [9] ، ومع كلِّ هذا يمكن أن نجزم مطمئنين أن (( عامة العرب لم يكونوا إذا عادوا إلى أقاليمهم يتحدثون بتلك اللغة المثالية الموحدة، وإنما كانوا يعبرون بلهجاتهم الخاصَّة وتظهر على تعابيرهم صفات لهجاتهم، وخصائص ألحانهم. ) ) [10] . هكذا وصل إلينا الأدب العربي - إلى حدٍّ كبير - خلوًا من خصائص اللهجات المحلية ليدل على شيوع اللغة المشتركة، وابتعاد الرواة والشعراء عن كثير من العادات الكلامية التي عرَّضتهم للنقد في أسواق قريش ومواسمهم الأخرى في جزيرة العرب.

(1) - مستقبل اللغة العربية:12، في اللهجات العربية:36 - 47.

(2) - ظ: فصول في فقه العربية:71، وما بعدها، الأُصول: 106 - 107.

(3) - اللغة:341.

(4) - ظ: فصول في فقه العربية:83، الأُصول: 74 - 75.

(5) - فصول في فقه العربية: 90 - 91.

(6) - من أسرار اللغة: 189.

(7) - ظ: مستقبل اللغة العربية المشتركة:9، النقد اللغوي عند العرب:26.

(8) - ظ: في اللهجات العربية:34.

(9) - ظ: دراسات في فقه اللغة:59.

(10) - نفسه:60، وينظر معه: الخصائص: 1\ 75، توطئة لدراسة علم اللغة: 31 - 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت