الأمر الثاني: غاية النحو العربي ومناهج البحث اللغوي الحديثة.
إن الغيرة على القرآن ومحاولة صونه من التحريف على ألسنة الناطقين به - بعد حين من نزوله - كانت السبب الرئيس الذي دفع المسلمين لإنشاء النحو العربي يقول ابن خلدون: (( وخشي أهل الحلوم منهم أن تفسد تلك المَلَكَة ُ رأسًا، ويطول العهد، فينغلق القرآن والحديث على الفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه منها بالأشباه. ) ) [1] .
ولم يكن هناك ما يمنع من أن ينضمَّ إلى هذا السبب عوامل أخرى تعمل على إنشاء علم النحو العربي وتطويره، فانضمَّ لما سبق عاملٌ قوميٌ وآخر سياسيٌ [2] ، لكنَّ وضعًا كهذا تختلف فيه الغايات التي من أجلها يقام الدرس النحوي، يقود إلى اختلاف طرائق البحث، فطرق الوصف في استنباط القواعد تختلف عن طرق الدراسة التعليميَّة لصيانة الألسنة من الخطأ في النطق، ومع ذلك يبقى القرآن محور الدراسات اللغويَّة. ثم إن قواعد اللغات - عمومًا - تستلُّ مما ألِفَ أبناءُ البيئةِ اللغويةِ استعماله - أي من كلامهم - بعد جمعه وموازنته وتمحيصه ثمَّ استخراج القواعد، واستنباط القوانين التي تحكمه، وليست العربية بدعًا من غيرها من اللغات، فقد استلت قواعدها من مجموع كلام أفرادها. لكنَّ الواقع اللغوي الذي سعى اللغويون والنحاة الأوائل إلى حصره واستيعابه قد لا يوافق ما يشترطه علم اللغة الحديث من ضوابط في الشواهد اللغوية. وقد انتهت مناهج البحث اللغوي الحديثة إلى جملة من الشروط والضوابط ينبغي توافرها في الكلام الذي يأخذُ نموذجًا للدرس والتحليل.
فمنهج البحث اللغوي الوصفي يشترط - لضبط نتائجه واطرادها - شروطا ً يجب توافرها في المادة اللغويَّة المدروسة هي: تحديد الزمان والمكان والمستوى الأدائي [3] ، فعلى مستوى الزمان (( هناك نمطان للدراسة اللغوية الدراسة الأولى هي الدراسة التعاصريَّة وتدعى أيضا بالدراسة الوصفية ويرمز إليها بالخط أو المحور الأفقي. ) ) [4] ، فالدراسة الوصفية دراسة لظاهرة من الظواهر إلى جانب الظواهر اللغوية الأخرى المرتبطة بها، ولكن في عصرٍ واحدٍ ويشترط في تحديد هذا العصر أن تكون اللغة ثابتة ً فيه. فالغاية التي يسعى لتحقيقها هذا الشرط هي الفصلُ بين أي طورين مختلفين من أطوار نمو اللغة.
فالعربية مثلا لغة قديمة، بل هي أقدم لغةٍ حيَّةٍ اليومَ، قد مرَّت خلال حياتها الطويلة بمراحل تطور مختلفة ومتعددة، لعلَّها ابتدأت بعملية النقد اللغوي الذي مارسه الشعراء، وما فرزه من إنماء للغة وتطوير، وما أن وصلت مرحلةً عاليةً من النضج والرقي حتى نزل القرآن بها، مُثوِّرا فيها طاقات إبداعية جديدة لم تكن معهودةً من قبل، وتستمر مراحل التطور في هذه اللغة من خلال انتشارها في البلاد الإسلامية، واحتكاكها بلغاتٍ عالميةٍ متعددةٍ، ومع كلِّ مرحلةٍ تخطوها تولدُ ألفاظٌ وأساليبٌ، وتموتُ ألفاظٌ وأساليبٌ، تُزوى ألفاظ وتنشط ألفاظ، وهكذا تكون جدلية الموت والحياة في اللغات. وكلُّ مرحلة من المراحل تستحق العناية والدرس منفصلة لاستكشاف خصائصها ومميزاتها.
وعلى مستوى المكان فإن اللغة كما تختلف من زمان لآخر، إنها تختلف أيضا من مكان لآخر (( واللغوي الذي يتبع المنهج الوصفي في دراسته لغةً معينة لابد أن يعمد إلى صورتها
(1) - تاريخ ابن خلدون:1\ 545.
(2) - ظ: الأصول: 21 - 27.
(3) - ظ: اللغة العربية، معناها ومبناها:13 - 14، الأصول:94 - 109، مناهج البحث اللغوي بين التراث والمعاصرة:15 - وما بعدها.
(4) - الألسنية، مبادئها وأعلامها:45 - 46، وينظر معه: توطئة لدراسة علم اللغة:89 - 95.