الموحدة، ويستبعد من مجال دراسته صور لغات البيئات الأخرى. )) [1] ، فالغاية التي يسعى نحوها هذا الشرط: أن لا يخلط الباحث على مستوى التحليل بين لهجة وأخرى، إذ كل لهجة منها تمثل كيانا مستقلا، ونظاما متكاملا من أنظمة الرمز العرفي، وكل علامة فيه ترمز إلى معنى خاص قد يختلف عمَّا في اللهجات الأخرى، لأن العرف الذي وضع العُلقة بين هذا الرمز ومفهومه يختلف شيئا ما من مجتمع لآخر، (( ولا شك أن الخلط بين نظامين عرفيين من أي نوع سيؤدي في النهاية إلى عدم تمييز أيٍّ من النظامين، وهل يمكن لامرئ [2] أن يفهم تقاليد مجتمع وقد خلط بينها وبين تقاليد مجتمع آخر. ) ) [3] .
أما مستوى الأداء، فإن اللغة تتباين خصائصها تبعًا لتنوع طرائق التعبير، فـ (( للشعر لغة خاصَّة به أوضح ما يميزها هو الترخص في القرائن حين يكون المعنى هو الذي يقتضي القرينة وليست القرينة هي التي تقتضي المعنى. ) ) [4] ، إن اللغة في الشعر تستخدم استخدامًا مزدوجًا بوصفها وسيلة ًّ وغاية ًّ في وقت ٍ واحدٍ، وهي تؤدي أهمَّ وظائفها حينما تتمكن من إثارة الأحاسيس ونقلها للغير، وليست الوظيفة الرمزية إلا وظيفة ثانوية في الأدب بوصفها أداة ً تخدم الوظيفة الانفعالية، وفي الوقت الذي لا يجوز فيه للمتكلم باللغة القياسية أن يحيد عن طرق القوم في ما ألفوه من استعمال اللغة، فلغة الشعر (( موقف فسحة وعذر ) ) [5] ، ويجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، و (( الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنَّى شاءوا. ) ) [6] ، نعم إن الشاعر له ذلك بحدودٍ. فالعنصر الجوهري الذي يميز لغة الشعر من اللغة القياسية هو تحطيم لغة الشعر لمعيار اللغة القياسية، وإنَّ هذا التحطيم أو الانحراف الذي تقوم به اللغة الشعرية ليس إلا انحرافًا جماليًا متعمدًا، ذلك إن اللغة الشعرية لا تهدف إلى التوصيل الذي هو مهمة اللغة القياسية، بل إنها تدفع بهذا التوصيل إلى الوراء، إذ يصبح هذا التعبير أو القول مقصودًا لذاته.
إنَّ مهمة التوصيل في الشعر أكثر تعقيدًا منها في الخطابة - التي هي فنُّ قوليٌّ أيضا - فبناءُ المعاني فيه قد يفتقر إلى ذلك النظام المنطقي، أو الارتباط الحقيقي بين أجزائه ولكنه مع ذاك قادرٌ على إيصال المعنى إلى القلب بشكله هذا بسرعة فائقة [7] . وقد أحرزت العربية بفضل أعمال شعرائها تطورا عظيما، وأصبحت لغة الشعر بما توافر لها من ثروة في صيغها النحوية ورقة في تعبيرها عن العلاقات التركيبية تعدُّ أعلى قمة بلغها نمو اللغات السامية [8] .
إن لكل مستوى نطقي دوافعه، ومن ثمَّ تصبح له نظم خاصَّة وسمات معينة قد تختلف قليلًا أو كثيرًا عن سمات المستويات الأخرى. وقد اصطلح العلماء على أن تكون (( طرائق التعبير في العربية أو مستويات الأداء فيها ثلاثة: الأوَّل المستوى المفهم، وهو المستوى العام الذي يلجأ إليه أفراد البيئة اللغوية في مخاطباتهم العامة، وفي تصريف شؤون حياتهم اليومية، ولا يشترط في هذا المستوى الصحة والسلامة، أو الخضوع لقوانين اللغة وأنظمتها ويوصف هذا المستوى بـ(العاميَّة) . والثاني: المستوى المفهم الصحيح الذي يعمد إليه أبناء البيئة اللغوية في التعبير عن شؤونهم الفكرية والثقافية، وهو المستوى الذي تؤلف به الكتب، وتلقى به
(1) - مناهج البحث اللغوي بين التراث والمعاصرة:100.
(2) - هكذا ورد والأصحُّ: امرءًا.
(3) - اللغة العربية معناها ومبناها: 14، وينظر معه: اللغة: 326 - 327، النقد اللغوي عند العرب: 35 - وما بعدها.
(4) - الأصول:81.
(5) - الخصائص: 1\ 328.
(6) - زهر الآداب:2\ 633.
(7) - ظ: لغة الشعر في هاشميات الكميت: 22 - 29، وينظر معه: اللغة: 182 - 202، دور الكلمة في اللغة: 103، النقد اللغوي عند العرب:13 - 14،23، 105، 371 - 372.
(8) - ظ: العربية الفصحى: 180 - 181، وينظر مقدمة الكتاب أيضا.