فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 295

المحاضرات والأحاديث، وتحرر به الوثائق والمدونات الرسميَّة، وغير الرسميَّة. وأمَّا الثالث: فهو المستوى المفهم الصحيح البليغ، وهو الذي يعمد إليه الشعراء والكتاب وهو مستوى لا يشترط فيه الصحَّة وحدها كالمستوى الثاني، بل يطلب فيه التأثير أيضا. )) [1] .

إن المستوى الثاني من المستويات السابقة هو الأكثر ملاءمة للدراسة والوصف على وفق المنهج الوصفي الحديث، وذلك لأنه يمثل اللغة مجرَّدة من كلِّ قيد ٍ ومطلقة من كلِّ ما ينحرف بها لأسبابٍ فنيَّةٍ عن سمتها المعهود ونظامها الثابت [2] . ولكن قلتُ قبل قليل: إن النحو العربي إنما أُنشِئَ لخدمة القرآن، والقرآن هو النص الأدبي الأوَّل في لغة العرب، وقد أُنزل بلغةٍ أدبية خاصِّة كانت معجزةً لكل العرب، ولم يقدروا على مجاراته، وعلى هذا (( كان على من يودُّ المحافظة على القرآن أن يدرس اللغة التي أنزل بها، ولو أن النحاة استخرجوا النحو من لغة التخاطب لما وصلوا إلى ما يريدون، ولكان ذلك منهم خيانة ً للغاية التي سعوا إليها، وإجهاضًا للغرض النبيل الذي عملوا من أجله. ) ) [3] .

ولكن الواقع الذي وصل إلينا عن طبيعة عمل النحاة الأوائل يشير بوضوح إلى إن عملهم لم يكن موفقًا إلى حدٍّ ما - تبعا لقواعد علم اللغة الحديث - في اختيار النماذج التي ينبغي أن تدرس لتقنين قواعد الفصحى، أو بتعبير أدق لوضع قوانين مستوى نطقي معين كانوا يحاولون الحفاظ عليه وصيانته من الخطأ، نعم قاد حبُّ اللغويين الأوائل للغة القرآن لتسخيرهم جهودا ً كبيرة ً جدا ً في محاولة الحفاظ على لغة الذكر والذود عنها، ففي الوقت الذي دأب فيه اللغويون والنحويون ـ مشكورين ـ في حصر اللغة من جميع اتجاهاتها الزمانيَّة والمكانيَّة والنطقيَّة، قاد عملهم هذا إلى مساوئ وعيوب في المرحلة اللاحقة ـ مرحلة التقعيد ـ تمثلت في أبرز جوانبها بعدم اطراد القواعد، وكثرة الخروج على القاعدة حتى وصل الأمر في أحيانٍ ما إلى حدِّ النقض، ثمَّ قادهم هذا إلى التأويل والتقدير، ومن ذلك التعليل لتخريج الكلام في وجهةٍ تتسق مع القاعدة الأصليَّة، لكنَّ ذلك التقدير كان على حساب المعنى في مواضع ليست بالقليلة، وقد تهدر بسببه نواحٍ جماليَّة وفنيَّة في الكلام.

وفي سبيل استخراج القواعد قاموا أوَّلًا بحملةٍ واسعةٍ لجمع اللغة العربية بجزئياتها كلها ونماذجها المختلفة، فرحلوا إلى بطون البادية، وغاصوا في أعماق الصحراء يسمعون ويدونون ما ينطقه أهل القبائل المختلفة، في الوقت نفسه، كان نفرٌ منهم يدونون كل ما يتناهى إليهم من الأشعار عن طريق الرواة والوافدين على الحواضر من الأعراب، بل لم يفتهم أن يدونوا كلام الصبية في الطرقات، وأخذوا اللغة من المجانين وأهازيج النساء [4] .

ونتيجة لهذا الجهد الكبير والعمل الطيب تجمع بين أيديهم كمٌّ هائلٌ من نصوص اللغة القابلة للدرس والتصنيف، ومع أنهم استشعروا وجود مستويات مختلفة في اللغة - إذ تحدثوا عن الفصيح والأقل فصاحة والرديء والمذموم والشاذ والخطأ [5] - إنهم لم يعمدوا إلى تصنيف هذه المستويات الكلامية، ولم يراعوا فرزها وتنسيقها على مجاميع مختلفة وطرق أدائية مختلفة، فجمعوا المستوى البلاغي العالي الفصاحة إلى جنب اللهجات المحليَّة للقبائل، وقرنوا الشعر مع الكلام اليومي، وساووا في الاحتجاج بين لغاتٍ قديمةٍ تناهت إليهم من مرويَّاتٍ شعريةٍ قد تكون منقرضة من الاستعمال الحي والكلام الذي تنطق به الألسن كلَّ يوم.

وحاول النحاة أن يضعوا قواعد اللغة مستمدَّة ً من هذا الكم الكبير والمنوع من النصوص، فقادهم هذا إلى خلط القواعد، وعدم اتساقها واطرادها، حتى وصلت القواعد في

(1) - مناهج البحث اللغوي بين التراث والمعاصرة: 100 - 101.

(2) - ظ: مناهج البحث اللغوي بين التراث والمعاصرة: 101.

(3) - الأصول:104.

(4) - ظ: المزهر:1\ 139 - 141، فصول في فقه العربية:230.

(5) - ظ: فصول في فقه العربية: 96، توطئة لدراسة علم اللغة: 36، 54 - 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت