ليس المنهج السياقي منهجا كاملا ومتكاملا، فقد وُجِّهَ له بعض النقد، بأنه لم يقدَّم نظرية شاملة للتركيب اللغوي، واكتفى بتقديم نظرية للمعنى، والمعنى يجب أن يفسر بوصفه مركبا من العلاقات السياقية ومن الأصوات والنحو والمعجم. لذا يحلو للبعض أن يسميه منهجا لا نظرية، ومن النقد الموجه له أن مصطلح السياق context عند فيرث لم يكن محددا وكذالك حديثه عن الموقف situation غير واضح، وقد يكون بالغ في إسناد ثقل للسياق. وقد يفشل هذا المنهج في تفسير بعض الكلمات من خلال استعمالها في السياقات المختلفة، فلا يفيد شخصا تصادفه كلمة لا يعرف معناها أن نقول له إنها ترد في السياقات الآتية ونسرد له عددا منها. فهو يفيد الباحث الذي يريد تتبع استعمالات الكلمات ودلالاتها في السياقات المختلفة، لكنه قد لا يفيد المستعمل العادي للغة [1] .
وتمتاز النظرية السياقية بأمور منها: اهتمامها بالسياق اللغوي أو السياق اللفظي أي ببيان مجموعة الكلمات التي تنتظم معها الكلمة المراد معرفة معناها، واهتمامها أيضًا ببيان الخصائص النحوية والصرفية واستخدامهما في تحديد السياقات التي تقع فيها الكلمة، ومن مميزاتها أيضًا أنها لا تعدُّ الجملة كاملة المعنى إلاَّ إذا طابقت قواعد النحو وروعي فيها التوافق في رصف المفردات المكونة للجملة، وأن يتقبلها أبناء اللغة في تفسير ملائم وهذا ما عرف بالتقبُّلِيَّة acceptability [2] .
يرى أولمان أنَّ نظرية السياق إذا ما طبقت بحكمة فإنها: (( تمثل حجر الأساس في علم المعنى، وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة في هذا الشأن، إنها مثلا أحدثت ثورة في طرق التحليل الأدبي، ومكنت الدراسة التاريخية للمعنى من الاستناد إلى أسس حديثة أكثر ثباتا، كما أنها قدمت لنا وسائل فنية حديثة لتحديد معاني الكلمات. ) ) [3] ، أشار أولمان إلى ثلاث من ثمار النظرية السياقية لكنه اشترط تطبيقها بحكمة لتعطي هذه الثمار، منبها بذالك على نبذ التطرف والجور على اللفظ عند بعض الباحثين الذين قد ينفون استقلال الكلمة بمعنى مركزي خارج السياق. والحق أنَّ نفي هذا المعنى عن الكلمة خارج كل سياق لها يجعلها شيئا يخالف الوجدان والحقائق العلمية الملموسة.
(1) - ظ: المصدر نفسه.
(2) - ظ: علم الدلالة: أحمد مختار: 77.
(3) - ظ: دور الكلمة في اللغة:66 - 67.