فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 295

عن عواطف أو أريد بها إثارة تلك العواطف والانفعالات؟ فكلمات مثل: (حرية، عدل، ظلم) نستعملها في اللغة العلمية أو اللغة الفصيحة لتدلَّ على معنى معين لكن قد يستعملها الأديب فيحملها قدرا من إمكانية إثارة المشاعر عند المتلقي ويناغم بها عواطفه، والسياق هو الكفيل بالكشف عن هذا المعنى العاطفي، وقد يكون للكلمة سعة واسعة فيحدد السياق من سعة الكلمة بالمقدار المطلوب، ويعيِّن حدودها الواجب حملها عليها، فكلمة (رجل) حينما تقابل بكلمة (حيوان) تشمل النوع الإنساني كلَّه في حين إذا ما قوبلت بكلمة (امرأة) فعندها ستعني نصف النوع الإنساني. فالسياق هو الكفيل بتحديد حدود الكلمات، وكذا يعمل السياق على إزالة بعض الغموض الذي يحيط ببعض الكلمات التي يكون لها أكثر من معنى مركزي فأي هذه المعاني مراد في الكلام، ويزداد الأمر خطورة إذا كان واحد منها أكثر استعمالا من المعاني الأخر والمتكلم يريد المعنى المنزوي فليس غير السياق يكشف لنا عن مقصد المتكلم، وهو صمام الأمان الذي يمنع من احتمال الخلط بين المعاني المتعددة للكلمة الواحدة [1] .

إن حالات الغموض أو حالات الوضوح المحددة بالسياق والمعتمدة عليه يجري استغلالها بصورة مثمرة في الأدب لأغراض أكثر أهمية، إذ توظف هذه الحالات لتحمل المتلقي على تفسير الوحدات الكلامية أو النص عموما تفسيرا معينا أو قد تجعله يحمل النص على تفسيرين أو أكثر في وقت واحد، وهو إما يتردد بين هذه التفسيرات أو يجمع بينها بطريقة معينة ليكوِّنَ تفسيرا مركبا غنيا وقد أشار علماؤنا القدماء إلى أن بعض النصوص قد تحوي معنيين واحدٌ ظاهرٌ وآخر خفيٌّ، وعقدوا أبوابا لبيان كيفية تفسير النص على الوجهين أو المعنيين [2] ، وقد تعمد اللغة الأدبية إلى استثمار حالات الوضوح والبساطة الموجودة في الألفاظ فتكون سياقا غامضا يحتاج إلى التفسير والتأويل والى هذا أشار ابن الأثير فقال: (( فإن قيل إنك قلت: إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، أي المفهوم، ونرى من آيات القرآن الكريم ما لا يفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط وتفسير، وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته. قلتُ: لأن الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة، وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب، لا من جهة ألفاظه المفردة، لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب، ويصير له هيئة تخصه، وهذا ليس قدحًا في فصاحة تلك الألفاظ لأنها إذا اعتبرت لفظةً لفظةً وجدت كلها فصيحة: أي ظاهرة واضحة. وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركبت منها المركبة واضحة كلها، وإذا نظر إلها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير، وهذا لا يختص به القرآن وحده، بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك. ) ) [3] . وما التركيب الذي أشار إليه إلاَّ عنصر مهم وكبير من عناصر السياق، إذن السياق يُغيّرُ من خواص المفردات عند التركيب، ولا يتقيد كثيرا بوضوحها أو غموضها قبل التركيب، وما هذا إلاَّ من فعل السياق.

ولعلَّ أهم ما يميز المنهج السياقي أنه يجعل المعنى سهل الانقياد للملاحظة والتحليل الموضوعي، ويعالج الكلمات على أنها أحداث وأفعال موضوعية تقبل الملاحظة والتحليل. وأن تحليله لهذه الأحداث تحليلٌ لغويٌّ، لا يخرج عن إطار اللغة، وبهذا قد تجاوز نقدا مهما كان يوجه إلى المناهج الأخرى (الإشاري والتصوري والسلوكي) التي كانت تحاول شرح المعنى في ضوء متطلبات أخرى، في حين أن المطلوب من اللغويين أن يدرسوا الظواهر اللغوية والعلاقات بينها داخل إطار علم اللغة [4] .

(1) - ظ: دور الكلمة في اللغة: 63 - 66، 141.

(2) - ظ: الخصائص: 1\ 200 - 204، 212 - 213، الدرس الدلالي في خصائص ابن جني: 25 - 28.

(3) - المثل السائر:1\ 116، وينظر معه: تطور البحث الدلالي: 46 - 52.

(4) - ظ: علم الدلالة: أحمد مختار: 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت