معنى أو عدَّة معانٍ مركزية ثابتة. )) [1] ، وعلى أساس هذا المعنى أو المعاني المركزية تؤلَّف المعاجم اللغوية، يبدو أن امتلاك الكلمة نصيبا وقدرا من المعنى مسألة مسلم بها إلاَّ أن عدم التمييز بين اللغة والكلام أغمض الصورة أمام بعض السياقيين الذين تطرفوا فنفوا أي معنى للكلمة خارج السياق، أن التمييز بين اللغة والكلام يجعل إدراكنا للفارق الكبير بين المعنى المركزي للكلمات ومعانيها داخل السياق أكثر وضوحا وجلاءً.
ربما يقف بعض الناس على الطرف الآخر فينظرون إلى الكلمات في الجمل وكأن لكل كلمة كيانا مستقلا منفصلا، ولكن الحقيقة في ضوء النظرية السياقية تقول: ليس هذا صحيحا، إذ لا يمكن فهم أيَّة كلمة على نحو تامٍّ بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها التي تشارك في تحديد معناها. إن للكلمات فيما بينها - وإن كان لكل منها بنية معجمية مستقلَّة - شبكة من علاقات المعنى كثيفة ومتينة، وإنها لا تعيش منعزلة في نظام اللغة، حتى أن جون لاينز مثَّلها بـ (( نسيج العنكبوت الواسعة المتعددة الأبعاد، يمثل كل خيط فيها، إحدى هذه العلاقات، وتمثل كل عقدة فيه وحدة معجمية مختلفة. ) ) [2] ، عن معنى أي تعبير تشارك في تكوينه بشكل مباشر مجموعة علاقات المعنى القائمة بين مفرداته، وهذه العلاقات جزء من عدَّة عوامل تكون المعنى الكلي للتعبير.
فرضية النظرية السياقية الرئيسة تقول: إن معنى الوحدة الكلامية يعتمد بشكل جوهري على السياق، والحقيقة أن النص والسياق كل منهما متمم للآخر ويقتضي كل منهما الآخر، فالنصوص مكونات للسياقات المختلفة التي تظهر فيها، والسياقات المختلفة يتم تكوينها وتحويلها وتعديلها بشكل دائم بوساطة النصوص التي يستعملها أبناء البيئة اللغوية في المواقف المتعددة [3] .
إن معنى الوحدة الكلامية يتجاوز ما يقال فعلا، فهو يتضمن أيضًا ما هو مقصود ضمنا (أو ما يفترض سلفا) وللسياق صلة وثيقة بهذا الجزء من معنى الوحدات الكلامية، إذ عادة ما يعتمد المتكلم والمتلقي على معلومات سياقية قد تكون فوق مستوى اليقظة في إنشاء الوحدات الكلامية وتفسيرها، من هنا فإن كثيرا من حالات الغموض نحوية كانت أو صرفية أو معجمية تمرُّ من غير أن نعيها، على أننا قد نعي بين الحين والآخر بعض تلك الحالات من الغموض، والسبب الأكيد والمعتبر لتفسير هذه الظاهرة هو أن معلوماتنا السياقيَّة ليست متساوية مع ما يمتلكه منشئ النص، أو الشخص الذي يشاركنا في الحديث، وهذا ما يعرف بـ (النسبية اللغوية) [4] . إذ تقود هذه الفكرة إلى اختلاف فهم الحقائق وفهم النصوص تبعا لاختلاف الثقافة اللغوية والمكوِّن الفكري واللغوي عند كلٍّ من منشئ النص ومتلقيه، وإني لا أنكر أنَّ (( السلوك اللغوي إنما هو فعالية معتمدة على الثقافة. ) ) [5] لكن حالة تطابق الخلفية اللغوية تبدو حالة مثالية يندر تحققها، أما تقارب الخلفية اللغوية فهو المتحقق فعلا بين أفراد البيئة اللغوية الواحدة، لكن معنى التقارب يشير إلى وجود فوارق فردية، ولا أحد بوسعه نكران تلك الفوارق، هذه الفوارق هي السبب في كثير من الخلاف في فهم النصوص وتفسيرها.
إن السياق هو السبيل الأمثل الذي يمكننا من توجيه المعنى الوجهة التي نضيء بها مكانا ما في منطقة المعنى للكلمة المستعملة، فهو يوضح لنا هل كانت الكلمة ينبغي أن تحمل على أنها تعبيرٌ موضوعيٌ صرفٌ فتُحمَلَ عندها على معناها المركزي الدقيق أو قُصِدَ بها التعبيرُ
(1) - المصدر نفسه.
(2) - اللغة والمعنى والسياق: 83، وينظر معه: دور الكلمة في اللغة: 78.
(3) - ظ: اللغة والمعنى والسياق: 215.
(4) - ظ: المصدر نفسه:222 - 224.
(5) - اللغة والمعنى والسياق: 240.