فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 295

المعنى يُكتشف فقط عن طريق ملاحظة استعماله، فالاستعمال يأتي أولا، وحينئذ يتقطر المعنى منه. )) [1] ، وكذا أيد كثير من علماء النفس هذه النظرية، وعدَّ كثير من اللغويين النظرية السياقية خطوة تمهيدية في طريق المنهج التحليلي، فقد أكَّدَ أولمان أنَّ المعجمي يجب أولا أن يلحظ كل كلمة في سياقها، ويدرسها في واقعها العملي، ويستخلص من مجموع استعمالاتها العامل المشترك العام، فيسجله على أنَّه معنى الكلمة، (وهذا المعنى هو المعنى المركزي للكلمة) ، فاستخلاص هذا المعنى لا يتم إلاَّ بعد جمع عدد من السياقات الكافية للمفردة، وحينما لا تزيد السياقات البقيَّة أي إضافة للمعنى أو تغير كبير له عندها نستطيع رسم حدود معنى الكلمة.

من المفاهيم الرئيسة في النظرية السياقيَّة مفهوم (النص) فما النص؟ قد يكون القول (النص: هو مجموعة جمل متتابعة) من الأجوبة الشائعة، لكن هذا القول قد يواجه بعض الاعتراضات، إذ إن أغلبية النصوص المستعملة في اللغة الدارجة اليومية تتكون من خليط من الجمل، وأجزاء الجمل، وتعابير كلامية جاهزة، وربما كان هناك أوجه للاعتراض على التعريف أكثر أهمية من هذا، ذلك أنه قد يخفق (( في توضيح أنَّ الوحدات التي يتكون منها النص جملا كانت أو غير جمل ليست مجرد وحدات متصلة مع بعضها البعض [2] في سلسلة، إنما ينبغي ربطها بطريقة مناسبة من حيث السياق وعلى النص في مجمله أن يتسم بسمات التماسك والترابط. ) ) [3] ، إن الربط المشار إليه في هذا الكلام قسم منه يتعلق بالمفردات وآخر يتعلق بالمحتوى نفسه الذي يعالجه النص.

والمفهوم الآخر الذي تقوم عليه هذه النظرية هو (السياق) فما السياق؟ أجاب جون لاينز عن هذا السؤال بأنه لا يمكن إعطاء جواب بسيط عن هذا السؤال، لكنه أكَّد ضرورة اعتماد اللغويين في تفسيرهم للوحدات الكلامية على نظريات العلوم الاجتماعية ونتاجاتها بصورة عامة إذا ما أرادوا تكوين نظرية سياقية مقنعة [4] . لكن أولمان كان له رأي واضح فيها، إذ يرى أنه على الرغم من استعمال هذه الكلمة في عدد من المعاني المختلفة إن لها معنى يبدو تقليديا هو الذي يعنينا هنا وهو (( النظم اللفظي للكلمة، وموقعها من ذلك النظم ) ) [5] ، إن السياق في ضوء هذا التفسير يشمل الكلمات عموما والجمل السابقة واللاحقة، بل القطعة كلها والكتاب كله، وينبغي أن يشمل أيضًا كل ما يتصل بالكلمة من ملابسات وظروف، ولا تخرج منه العناصر غير اللغوية، أو ما يعرف بالقوَّة اللاكلامية للمفردات، فلها أهمية كبيرة في توجيه المعنى، ويؤكد أولمان قائلا: (( أما أن هذه العوامل جميعها لها تأثيرها المباشر على [6] المعنى الدقيق للكلمات فهذا أمر لم يعارض فيه أحد معارضة جدِّيَّة. ) ) [7] .

إن السياق يكون في المواقف الفعلية للكلام أي إن الكلمات حينما تكون مخزونة في أذهان المتكلمين لا يكون لها أن تحظى بالقدر الكافي من الدقَّة والتحديد، وحينما تخرج الكلمات من القوَّة إلى الفعل عند ممارسة عملية الكلام الفعلي فتوضع المفردات في (سياقات) يتحدد معناها الدقيق، ولا يعني هذا أبدا إن الكلمات المفردة خارج السياق لا معنى لها أصلا كما يغالي بعض السياقيين، (( إننا لا ننكر أن كثيرا من الكلمات يعتريها الغموض الشديد، وأن ألوانها المعنوية غالبا ما تكون مائعة وغير محددة تحديدا دقيقا، ولكن هذه الكلمات مع ذالك لابدَّ أن يكون لها

(1) - ظ: علم الدلالة: أحمد مختار: 72.

(2) - هكذا وردت العبارة والأصح أن يقال: وحدات متصلة بعضها ببعض.

(3) - اللغة والمعنى والسياق: 218 - 219.

(4) - ظ: اللغة والمعنى والسياق: 242.

(5) - دور الكلمة في اللغة: 61 - 62.

(6) - هكذا وردت العبارة والأصح أن يقال لها تأثيرها المباشر في ... إذ أثَّر يتعدى بـ (في) . ظ: العين: مادة (أثر) : 8\ 237.

(7) - دور الكلمة في اللغة:62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت