الكلامية، مشيرين بذلك إلى تأثير دلالة السياق اللغوي وسياق الموقف الملابس له في العناصر النحوية من حيث الذكر والحذف والتقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك، مما درس في ما عرف عندهم بـ (علم المعاني) [1] ، ومن هذا الاهتمام بالسياق ما نراه عند ابن جني، فهو يراه عاملا أصيلا في فهم الدلالة، بل يتوقف فهمها على الملاحظة الدقيقة لسياق الحال، فيقول: (( وبعد فالحمالون والحماميون والساسة والوقادون ومن يليهم ويعتد منهم يستوضحون من مشاهدة الأحوال مالا يحصله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذ أخبر به عنه ولم يحضره ينشده. ) ) [2] ، فهم هذه الطبقة التي ذكرها لشعر الفرزدق تأتى من إحساسهم بمعاني الألفاظ التي يستعملها هذا الشاعر نتيجة وعيهم ومعاناتهم لواقع الحياة اليومية التي قد لا يعيها مثلهم أبو عمرو.
تحدَّث الجاحظ أيضًا عن وجوب مراعاة مقتضيات المقام قائلا: (( ينبغي للمتكلّم أن يعرِفَ أقدارَ المعاني، ويوازنَ بينها وبين أقدار المستمعينَ وبين أقدار الحالات، فيجعلَ لكلِّ طبقةٍ من ذلك كلامًا، ولكلّ حالةٍ من ذلك مَقامًا، حتَّى يقسمَ أقدارَ الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدارَ المعاني على أقدار المقامات، وأقدارَ المستمعين على أقدار تلك الحالات. ) ) [3] ، مراعاة حال المستمعين ومطابقة الخطاب تبعا لواقع حالهم ما هو إلاَّ مراعاة لسياق المواقف التي تنتج الحدث الكلامي.
وقد ركَّز عبد القاهر الجرجاني على سياق المواقف عند حديثه عن العناصر التي توجب مزيَّة الكلام بعد صحة النظم فعدَّ أولها الأغراض التي يوضع لها الكلام [4] . لم يغفل علماء اللغة العربية وآدابها في نظرهم الدلالي مراعاة سياق المواقف، وخير ما عبَّروا به عن وعيهم هذا قول البلاغيين الشهير (( لكل مقامٍ مقالٌ. ) )و (( لكل كلمة مع صاحبتها مقامٌ. ) ) [5] ومعنى هذا أنَّهم نطقوا (( بعبارتين من جوامع الكلم تصدقان على دراسة المعنى في كل اللغات لا في العربية الفصحى فقط، وتصلحان للتطبيق في إطار كل الثقافات على حد سواء، ولم يكن"مالينوفسكي"وهو يصوغ مصطلحه الشهير: context situation يعلم أنه مسبوق إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو ما فوقها. ) ) [6] ، وسيبقى الأدب معتمدا على سياق المواقف أو سياق الحال ويعوِّل عليه في النصوص الأدبية فهو أداتها الفاعلة في إيصال المعنى الأدبي للمتلقي، إن القيمة الفنية قيمةٌ سياقية تبرز من تلاقح عناصر النص وتماسكها ونظمها.
4 -السياق الثقافي (Cultural context) يختلف استعمال الكلمات من طبقة لأخرى، وفي الثقافات المتعددة يختلف أيضًا استعمال الكلمات كلٌّ تبعا لمجتمعه وطبقته، فمثلا كلمة (عقيلته) تستعمل اليوم في بعض المجتمعات الراقية بدلا من كلمة (زوجته) في طبقات أقل رقيا من تلك. وكذا تختلف دلالة الكلمة عند كلِّ صنف من العلماء فكلمة (جذر) تختلف دلالتها عند علماء الرياضيات عمَّا هي عليه عند علماء الزراعة والنبات.
تعاونت فروع العلم المختلفة على دعم المنهج السياقي، فعلماء اللغة السياقيون تأثروا خطى بعض علماء الأنثروبولوجيا وطريقتهم في التعامل مع اللغة على أنها صيغة من صيغ الحركة وليس أداة للانعكاس، ودعم بعض الفلاسفة المنهج السياقي عندما أيد أنَّ معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة، ويرى بتراند رسل أنَّ (( الكلمة تحمل معنى غامضا لدرجة ما، ولكن
(1) - ظ: أثر العناصر غير اللغوية في صياغة المعنى (بحث إنترنيت) وقد تتبع فيه كاتبه الكثير من النصوص العربية والإسلامية التي تعنى بالمقام وسياق المواقف، وينظر معه: الإبداع اللفظي في القرآن الكريم، دراسة نقدية: (بحث إنترنيت) .
(2) - الخصائص: 1\ 246، ولمزيد من النصوص ينظر: الدرس الدلالي في خصائص ابن جني: 39 - 42.
(3) - البيان و التبيين: 1\ 138 - 139، وينظر معه تطور البحث الدلالي: 35.
(4) - ظ: دلائل الإعجاز: 68 - 69، وينظر معه: النحو والدلالة: 98.
(5) - مفتاح العلوم: 168 - 169، وينظر معه: مختصر المعاني: 21.
(6) - أثر العناصر غير اللغوية في صياغة المعنى (بحث إنترنيت) .