فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 295

1 -السياق اللغوي (Linguistic context) يمكن التمثيل له بكلمة (حسن) التي قد تقع وصفا لأشخاص: (رجل، امرأة، ولد، طبيب، زوجة .. ) فتعني مع كل واحدة منها ناحية من المعنى هي المقصودة، فرجل حسن تعني الإشادة بأخلاقه وإذا قلنا: طبيب حسن، أردنا الإجادة في علمه وعمله، وحين نقول: زوجة حسنة، نريد حُسنَ التبَعُّل، وكل زاوية من زوايا المعنى قد تغفل في سياق وتضاء في آخر. وقد تقع الكلمة نفسها وصفا لأجناس مثل (ملح، دقيق، ماء، هواء، .. ) وعندها ستعني الصفاء والنقاوة وما إلى ذالك، وقد تقع وصفا لأوقات معينة مثل (يوم، ساعة، سنة، ... ) ولاشك أن معناها سيتغير تبعا لتغير ارتباطها بالكلمات المقترنة بها في الجملة فيوم حسن قد نعني به لطيف الجو معتدل الحرارة، وسنة حسنة قد نعني بها كثيرة الأرباح، وهكذا يتغير المعنى تبعا لسياقات اللغة، وغير هذا لدينا القرائن اللفظية أو المقاليَّة التي تعين على تحديد دلالة الجملة، مثل النبر والتنغيم، وكل هذه القرائن هي من قبيل السياق اللغوي [1] .

2 -السياق العاطفي (Emotional context) تحدد في ضوئه درجة القوَّة والضعف في الانفعال، بما يقتضي من تأكيد أو مبالغة أو اعتدال، فكلمة يكره لا تدل على ما تعنيه كلمة يبغض مع أنهما يدلان على أصل واحد من المعنى، لقد جعل أولمان المعنى العاطفي قسيما للمعنى الموضوعي، وليس أمامنا غير السياق ليحدد لنا هل كانت الكلمة المستعملة يراد بها إثارة العاطفة أو معناها القياسي الدقيق [2] . إن تأدية اللغة وظيفة عاطفية فضلا عن وظيفتها الأصلية (نقل الأفكار والتعبير عن الحقائق والقضايا الموضوعية) ، لا يمكن أن يتأتى إلاَّ من خلال استثمار طاقات السياق، فالكلمات هي نفسها تستعمل في تأدية الوظيفتين ولكن السياق المختلف هو الذي يجعل المعنى هنا عاطفيا وهناك قياسيا، وقد علَّق ابن جني على بعض الكلمات بأن أهل النسيب والرقَّة وذوي الأهواء يفيدون من هذه الألفاظ ما يفيده منها غيرهم، وبيَّن كيف تكون الكلمة في موضع ما عاطفية وفي غيره ليست كذالك [3] .

3 -سياق المواقف (Situational context) أو سياق الحال، يشار به إلى الموقف الذي ينتج فيه أو له الموقف الكلامي المحدد، فثمة عناصر غير لغوية ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل قد تكون جزءا من معنى الكلام، وذلك مثل شخصية المتكلم والمخاطب، والعلاقات التي تربطهما، وما يحيط بالكلام من ظروف وملابسات [4] ، إن من ينظر في اللغة على وجه التقعيد والوصف والتفسير ينتهي بالضرورة إلى الأخذ بالمتغيرات الخارجية التي تكتنف المادة اللغوية واستعمالاتها، وذلك لأن المعنى القاموسي أو المعنى المعجمي ليس كل شيء في إدراك معنى الكلام.

لقد اهتدى علماء اللغة العرب والمسلمون في وقت مبكر من تاريخ العلوم اللغوية والبلاغية إلى ما يحف بالكلام من ملابسات غير كلامية، كالسامع والمقام وظروف المقال وكل ما يقوم بين هذه العناصر غير اللغوية من روابط، وتحدث العلماء عن أسباب النزول وأفردوه بالتأليف، وتحدث علماء الحديث عن أسباب الورود وتحدث الأدباء والنقاد عن أسباب الإنشاد وظروفه.

وفطن المفسرون إلى الفرق بين ظاهر القرآن وباطنه فكان فهمهم لهذا الفرق تفريقا منهم بين المعنى المقالي والمعنى المقامي. كما راعى النحاة المقام الذي تتشكل فيه المواقف

(1) - ظ: النحو والدلالة: 117 125 - 130.

(2) - ظ: دور الكلمة في اللغة:63.

(3) - ظ: الخصائص:1\ 218، 220، وينظر معه: الدرس الدلالي في خصائص ابن جني:21.

(4) - ظ: علم اللغة: محمود السعران:290 - 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت