فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 295

يليق به أن نفسر (أم) فيه بأنها المنقطعة، وتقدر (أم) هنا بـ (بل) ويكون المعنى مستقيما، ولا نحتاج إلى تقدير معنى آخر للحرف. إن هذه المعاني التي ذكرها الزجاجي ومن حكاها معه ليست معاني رئيسة تقوم إزاء المعنى الأصلي العام لهذا الحرف، بل هي معان مترشحة عنه وراجعة إليه.

ذكرت بعض المصادر أن (أم) تأتي زائدة، ونقل هذا الرأي عن أبي زيد [1] ، وممن ذكر قوله هذا: ابن فارس، والمرادي، وابن هشام [2] ، وأهمل نقل هذا الرأي الآخرون، ومما استشهد به لهذا القول قوله تعالى: {أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} (الزخرف: من الآية 51 - 52) ، ورأى أن تقدير الكلام (أفلا تبصرون أنا خير) ، أقول: لقد تتبعت هذه الآية الكريمة في عدد غير قليل من التفاسير التي يُعتدُّ بها؛ لأستبين رأيهم فيها، وهل هناك من مناصر للقول بزيادة (أم) فيها؟ فلم أجد ذلك، وكان كثير من المفسرين يرون أنها هنا منقطعة بمعني (بل) كما هو رأي أهل البصرة، وبعضهم يرى أنها متصلة، نعم نقل أفراد من المفسرين قول أبي زيد أنها هنا زائدة لكنهم لم يناصروه [3] .

والشاهد الثاني الذي ذكره ابن هشام لإثبات هذا المعنى لـ (أم) هو قول ساعدة الهذلي [4] :

(الكامل)

يا لَيتَ شِعري وَلا مَنجى مِنَ الهَرَمِ ... أَم هَل عَلى العَيش بَعدَ الشَيبِ مِن نَدَم

إن رواية هذا البيت في ديوان الهذليين وخزانة الأدب، بلفظ (ألا منجى ... ) ، وعندها لا شاهد في البيت على ما ذكر؛ لأنها ستكون بمعنى (بل) ، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى قال البغدادي: (( وخصَّ ابنُ عصفور زيادتها بالشعر. ) ) [5] ، وقال أيضًا: (( حَمَلَ أبو زيد {على الزيادة} قوله تعالى: {أفلا تبصرون أم أنا خيرٌ} ووافقه على جواز ذلك أبو بكر بن طاهر من المتأخرين. والصحيح أنها غير زائدة، لأن زيادتها قليلة، فلا ينبغي أن تحمل الآية عليها، إذ قد يمكن حملها على ما هو أحسن من ذلك. ألا ترى أنه يمكن أن تكون منقطعة على ما ذهب إليه سيبويه، ومتصلة على ما ذهب إليه الأخفش. وقد بين النحويون الوجهين. ) ) [6] . إن آراء العلماء في إثبات هذا النوع ونفيه تميلُ إلى جانب النفي، وفي أحسن الأحوال فإنهم يقولون: إنّه خاصٌّ بالشعر، وإنَّه قليلٌ، والباحث يرى أن القول بزيادة الحرف لا يعني القول بمعنى جديد يؤديه الحرف قبالة معناه العام الموضوع له أصلا، فالزيادة إما أن تكون زيادة في القالب التقليدي الذي ينبغي أن تصاغ عليه جملة ما في اللغة، أو أن تكون زيادة لفظ من باب التوكيد، وفي النوع الأول يؤدي الحرف معناه الموضوع له ولا علاقة لمصطلح الزيادة في البناء التركيبي على المعنى، وفي النوع الثاني يكون معنى التوكيد لتكرار اللفظ لا للحرف المكرر نفسه.

(1) - هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري النحوي، من أهل البصرة، ومن ثقات اللغويين، ويقال إن سيبويه كان يعنيه إذا قال (سمعت الثقة أو قال الثقة) ، ينظر في ترجمته: تقريب التهذيب: 1\ 348، الأعلام: 3\ 92.

(2) - ظ: الصاحبي في فقه اللغة:126، الجنى الداني: 226، مغني اللبيب: 70.

(3) - ظ: معاني القرآن (الفراء) :3\ 35، جامع البيان:25\ 49،104، معاني القرآن وإعرابه (الزجاج) :4\ 415، معاني القرآن (النحاس) :6\ 369، إعراب القرآن (النحاس) :3\ 94، التبيان:9\ 207، مجمع البيان:9\ 86، الكشاف:3\ 492، مفاتيح الغيب:27\ 635، البحر المحيط:9\ 362، التبيان في إعراب القرآن:2\ 228، الجامع لأحكام القرآن:16\ 99، معجم الجملة القرآنية، الحروف الزائدة: 162.

(4) - ديوان الهذليين: 1\ 191، شرح أشعار الهذليين: 3\ 1122، مغني اللبيب: 70.

(5) - خُزَانَةُ الأَدَبِ:11\ 64 - 65، وينظر معه: ديوان الهذليين: 1\ 191.

(6) - خُزَانَةُ الأَدَبِ:11\ 64 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت