فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 295

جديد في أنها قد لا تكون إبلا، وقد تكون شاءً ولكنه غير جازم فيحاول أن يتثبت ممن يكلمه لعله يهديه إلى ضالته، فالجواب يكون هنا مطلوبا ولا غنى عنه. ويمكن أن نجيب هنا بـ (نعم) أو (لا) . فالتقدير لا ريب يتبع قصد المتكلم من إنشائه القول، وبعيدا عن هذا القصد لا نستطيع أن نجزم نحن بتقدير أوجهٍ لكلامه. وهذا الخلاف الذي طرحه النحاة من كون (أم) المنقطعة عاطفة أم لا، قد يكون خلافا شكليا لا ثمرة منه.

المعنى العام لـ (أم) الذي هو الاستفهام المعطوف على كلام متقدم لم يمنع بعض النحاة من أن يفهم من سياق جملة ما وردت فيها (أم) معنى خاصا قد يكون مترشحا عن هذا المعنى العام أو قد يكون جزءا منه، فقد تتوافر لهذا العالم من القرائن ما لم تتوافر لغيره فيقوده علمه إلى هذا المعنى، وهذا ما حصل للزجاجي حينما ذكر: إن من معاني (أم) أنها تأتي بمعنى ألف الاستفهام أو تأتي بمعنى (أو) أو تأتي بمعنى (الواو) [1] ، هذه المعاني الثلاثة لم يذكرها غير الزجاجي من أصحاب كتب معاني الحروف، فقد تفرد بها. إن الأمثلة القليلة التي ذكرها الزجاجي لهذه المعاني ترجع في حقيقة الكلام إلى المعنى الرئيس لـ (أم) ، أما المعنى الأول وهو كونها تأتي بمعنى ألف الاستفهام، فهو راجع إلى المعنى العام والاكتفاء بجزء من المعنى دون الكل، وقد استدل عليه بقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (النساء: من الآية 54) ، وفي هذه الآية نرى إطباق المفسرين على القطع بأن (أم) فيها منقطعة للإضراب [2] . وتقدير (أم) في هذه الآية (بل والهمزة) ، والمعنى الذي ذكره الزجاجيُّ داخل ضمن هذا التقدير، وليس معنىً مستقلا. ومثله قول السلمي الذي استشهد به [3] :

(الطويل)

أَبَا مَالِكٍ هَلْ أَنْتَ مُنْذُ حَضَضْتَني ... عَلَى القَتْلِ أمْ هَلْ لامَنِي لَكَ لائِمُ

فـ (أم) هنا المنقطعة وتقدر بـ (بل) فيكون المعنى متسقا، ولو قدره بألف الاستفهام فقط لكان قد أدخل ألف الاستفهام على (هل) ، وهذا ما نقله ابن منظور عندما ذكر هذا البيت [4] .

وأما المعنى الآخر الذي ذكره وهو مجيء (أم) بمعنى (أو) واستشهد عليه بالآية الكريمة: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى} (الإسراء:68 - 69) ، ومعناها عنده (أو أمنتم) . لكن المفسرين لم يذهبوا هذا المذهب، ولم يشيروا إليه [5] ، والمعنى المفهوم من الآية الكريم والمتسق معها أن تكون (أم) هنا منقطعة تقدر بـ (بل والهمزة) . وليست بنا حاجة إلى تقدير معنى آخر، ثم إن معنى (أو) قريب من معنى (أم) - كما سيأتي- وهذا ما جعل الزجاجي يذهب هذا المذهب.

والمعنى الثالث الذي قال به الزجاجي مجيئها بمعنى (الواو) ، واحتج له بقول الشاعر [6] :

(الكامل)

مَا أَكرَمَ الأَخْلاقَ أنْ صَاهَرتَهُمْ ... أمْ مَا أَحَقَّ القَوْمَ بالخُلُقِ السَّري

وهذا البيت مجهول القائل لم يعثر عليه محقق كتاب الزجاجي، ولم أعثر عليه أنا في الموسوعة الشعرية ولا في المكتبات الإلكترونية التي تحوى أكثر من أربعة آلاف كتاب من المصادر و المراجع الموثوق بها. التي أطلت البحث فيها من أجله. ومع جهل قائله إن البيت

(1) - ظ: حروف المعاني: 48 - 49.

(2) - ظ: الكشاف:1\ 534، مفاتيح الغيب: 10\ 104، البحر المحيط: 3\ 670.

(3) - حروف المعاني: 49، وينظر تعليق المحقق على البيت في الهامش.

(4) - ظ: لسان العرب: مادة (أمم) : 12\ 37.

(5) - التبيان:6\ 502، مجمع البيان:6\ 272، الكشاف:2\ 457، الجامع لأحكام القرآن:10\ 192، تفسير أبي السعود:5\ 179.

(6) - حروف المعاني: 48 - 49، والبيت مجهول القائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت