قال البطليوسيُّ في شرح البيت الأول: (( قوله تروح، أراد أتروح فأسقط الألف لدلالة(أم) ، وهمزة أم المعادلة يعبر عنها بـ (أيُّ) ، أيْ: أيَّتهما تفعل: الرواح أم البكور، ... ، وقال أبو الحسن بن كيسان: أم ها هنا منقطعة، بمنزلة قوله: إنها لإبل أم شاء، والوجهان جائزان. )) [1] ، ويرى الباحث أن تفسيرها بالمنقطعة في البيت الأوَّل أوْلَى؛ ذلك أنه كان يسأله عن وقت ذهابه أهو بالرواح - الذي هو من لدن زوال الشمس إلى الليل [2] - فسؤاله كان تقريرا، وقد حذف ألف الاستفهام كما قال البطليوسي، لكنه انتبه إلى انه لا يريد السفر في وقت الرواح، فتدارك بعدها مستغربا من بكوره في السفر قائلا: بل أتبتكر، وفي البيت الثاني يستمر في استفهام إنكاري معللا سبب استغرابه من سفرة مبكرا، فقال: أفي مرخ ديارهم أم في عُشَر؟، وهما كناية عن نجد والغور، والهمزة هنا للتعيين، طالبا بذلك سببا للتبكير في السفر لكنه سرعان ما يضرب عن هذا كله، راجعا السفر والبكور فيه إلى تعلق القلب بهم وعدم مقدرته على منعه منهم قائلا: بل القلب في إثرهم منحدر. فالمعنى الذي يفهم من السياق هو القائد والمتصرف في تحميل الحرف دلالات يجب عليه إيصالها إلى المتلقي.
تعامل النحاة العرب مع (أم) تعاملا متسقا مع فرضية المعنى الحرفي العام المتحرك، وإن لم يصرحوا بها لكن إشاراتهم تدلّ على ذلك. فللحرف معنى عاما، وهنالك معنى هامشي يَتحرَّك في ظل المعنى العام، ونتيجة لاختلاف فهمهم للسياقات التي وردت بها (أم) اختلف تفسيرهم لمعنى هذا الحرف واختلفت تقديراتهم لمعناه، فقد اختلف النحاة في مسألة تقدير (أم) المنقطعة: فالبصريون قدَّروها بـ (بل والهمزة) مطلقا، وقال آخرون: إنها تقدر بـ (بل) مطلقا، وكان هنالك (وسطيون) يقدرونها بـ (بل والهمزة) في أكثر أحوالها، وفي بعض الأحوال لابدَّ من تقديرها بـ (بل) وحدها [3] ، فمعنى الإضراب لا يفارق (أم) المنقطعة أبدا، لكن قد ينظم إلى هذا المعنى في بعض الأحيان معنى الاستفهام الإنكاري أو الطلبي، ومثال الإضراب والاستفهام الإنكاري، قوله تعالى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} (الطور:39) ، وتقديره: (بل أله البنات ولكم البنون؟) ولو قدرت للإضراب المحض لزم المحال، ومثال الإضراب و الاستفهام الطلبي قولهم: (إنها لإبل أم شاء؟) وتقديره بل أهي شاء. ويمكن أن يقع الجواب بعد هذه المنفصلة بـ (نعم) و (لا) ، إذا تقدمها الاستفهام الطلبي؛ لأن الكلام جملتان منفصلتان فيصح الجواب عن كل واحدة منهما بأحد الجوابين [4] .
وهل (أم) المنقطعة عاطفة أو لا؟ نقل المراديُّ عن المغاربة أنهم يقولون: (( إنها ليست عاطفة لا في مفرد ولا في جملة، وذكر ابن مالك أنها قد تعطف المفرد، كقول العرب:(إنها لإبل أم شاء) قال: فـ (أم) هنا لمجرد الإضراب، عاطفة ما بعدها على ما قبلها، كما يكون بعد بل فإنها بمعناها، ومذهب الفارسي وابن جني أنها بمنزلة (بل) والهمزة، وأن التقدير: بل أهي شاء، وبه جزم ابن مالك في بعض كتبه. )) [5] ، وعدَّ ابن هشام قول ابن مالك بعطفها المفرد خرقا لإجماع النحاة بأن (أم) المنقطعة لا تدخل على المفرد؛ ولهذا قدَّروا المبتدأ في جملة (إنها لإبل أم شاء) بـ (بل هي شاء) أو (بل أهي شاء) [6] ، أقو ل: إن اختلاف التقدير يتبعه اختلافٌ في الفهم لوجهتي الكلام، فنحن حينما نقدر (أم) بـ (بل) وحدها يكون معنى الكلام أن القائل رأى شبحا من بعيد فظن أنه إبلٌ فقال: (إنها لإبل) ، فإذا به يجزم بأنها شاء، فعَدَلَ عن اعتقاده الأول قائلا: (أم شاء) ، أي: بل هي شاء، وفي هذا يكون الإضراب المحض، وأما عندما نقدرها بـ (بل والهمزة) ، فيكون معنى الكلام: أن الرائي لم يجزم بالشيء الذي رآه ولكن تولد له شك
(1) - شرح الأشعار الستة الجاهلية: 48.
(2) - ظ: مادة (روح) في: العين: 3\ 291، تاج اللغة وصحاح العربية: 1\ 368، لسان العرب: 2\ 464.
(3) - ظ: الجنى الداني: 225، مغني اللبيب: 66.
(4) - ظ: رصف المباني: 95، جواهر الأدب: 105.
(5) - الجنى الداني: 226.
(6) - ظ: مغني اللبيب: 68.