فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 295

أَم هَل كَبيرٌ بَكى لَم يَقضِ عَبرَتَهُ ... إِثرَ الأَحِبَّةِ يَومَ البَينِ مَشكومُ

فقد جزم ابن يعيش بأن الشاعر: (( اعتقد خلع الاستفهام من(هل) ، ولولا ذلك لم يجمع بين استفهامين وهي (أم وهل) ، وإنما حكمنا على خلع دليل الاستفهام من (هل) دون (أم) ؛ لأن (هل) قد استعمل غير استفهام. )) [1] ، فدلالة (أم) على الاستفهام تأتي في المرتبة الثانية بعد همزة الاستفهام، ودلالتها عليه أقوى من دلالة (هل) عليه، حتى أنهم خلعوا دلالة الاستفهام من (هل) هنا ولم يخلعوها من (أم) ، ومع قوَّة دلالتها على الاستفهام قد تتخلى عنه، ففي قول أُفنون التغلبي (ت 57 ق. هـ) [2] :

(البسيط)

أَم كَيفَ يَنفَعُ ما تُعطي العَلوقَ بِهِ ... رِئمانَ أَنفٍ إِذا ما ضُنَّ بِاللَبَن

اجتمعت هنا (أمْ) و (كَيفَ) ويرى ابن يعيش أن هذا السياق يوجب: (( أن يُعتَقد نزع دليل الاستفهام من(أم) وقصرها على العطف لا غير، ألا ترى أنا لو نزعنا الاستفهام من (كيف) للزم إعرابها. )) [3] ، وهذا ما لا يجوز عنده، المهم عندي هنا أن الحرف (أم) له معنى رئيس هو (الاستفهام المعطوف) ، وقد يجبره السياق على التخلي عن جزء من معناه أو تحويل الدلالة إلى زاوية معينة من الكلام، وهذا هو عين الفرضية التي طرحتها، وإذا كان ابن يعيش قد حَكَّمَ القواعد النحوية في إبطال جزء من معنى (أم) في بيت أُفنون، وأبقى المعنى على حاله في بيت علقمة، فإني أرى وجوب تحكيم المعنى المراد من البيت الشعري، فالمعنى المطلوب هو صاحب الحق في تحويل دلالة الحرف أو إجباره على ترك جزء من معناه، وإلاَّ فإنه يمكن أن يدعى أن الحرفين باقيان على دلالتهما على الاستفهام، وإنما كرر الشاعر حرف الاستفهام بغية التوكيد [4] . وقد جاء مثل هذا الاستعمال في قول عنترة [5] :

(الكامل)

هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ ... أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّم

فالشاعر هنا احتاج إلى جزء من دلالة (أم) وهو العطف فخلع منها دلالة الاستفهام وأبقى الجزء الآخر، وحملها على العطف مشابه جدا لحملها على معنى الإضراب، لكن في الإضراب فضل زيادة في الدلالة ففيه ترك لمعنى العبارة المتقدمة وعدول عنها إلى معنى العبارة الجديدة وإن كانت معطوفة عليها، أما في العطف المجرد فليس فيه عدول عن معنى العبارة المتقدمة. وهذا العدول أو عدمه إنما يحدده سياق النص العام وقرائنه المساعدة.

وليس شرطا أن يجتمع حرفان ليُحمَلَ معنى (أم) على جزء من معناه العام ففي قول امرئ القيس [6] :

(المتقارب)

تَروحُ مِنَ الحَيِّ أَم تَبتَكِر ... وَماذا عَلَيكَ بِأَن تَنتَظِرْ

أَمَرخٌ خِيامُهُمُ أَم عُشَر ... أَمِ القَلبُ في إِثرِهِم مُنحَدِرْ

(1) - شرح المفصل: 4\ 18.

(2) - ظ: مغني اللبيب: 67، خُزَانَةُ الأَدَبِ: 11\ 139.

(3) - شرح المفصل: 4\ 18 - 19، وينظر معه: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 322.

(4) - ظ: مغني اللبيب: 66.

(5) - ديوان عنترة (مولوي) : 186، وقد تكرر هذا الاستعمال عند زهير مرتين أيضًا: ينظر: شرح ديوان زهير:279.

(6) - ديوان امرئ القيس:154، شرح الأشعار الستة الجاهلية: 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت